فبراير 25th, 2009
كتبها علي الجواشي
نشر في , غير مصنف,
,
|
|
|
|
|
أبو القاسم الشابي: الروح العربية خطابية مشتعلة
|
|
إيلاف
|
|
|
ألقى أبو القاسم الشابي (1909 - 1934) في “النادي الأدبي التونسي”، سنة 1929، محاضرة نشرت في طبعة محدودة الكمية في العام نفسه تحت عنوان “الخيال الشعري عند العرب”.. وهي محاضرة تكشف إلى أي مدى كان الشابي، وهو يناهز العشرين عاما، طليعيا ذا رؤية حديثة ومتطورة في قراءته النقدية للتراث العربي التي تكاد تتفق مع طروحات كتبها المستشرق الألماني غرونباوم في مطلع ثلاثينات القرن الماضي (علما ان الشابي كان يجهل اللغات الأجنبية)، وإلى أي حد كان يريد تخليص مفهوم الشعر من كل التعاريف العربية الكلاسيكية له. لذا، وجدنا أن أفضل احتفال بذكرى ميلاده المئوية، هو أن نقدم لقارئ الانترنت اليوم مقتطفات من هذه المحاضرة الرائعة والملهمة، على أمل أن نقدمها كاملة في المستقبل القريب:
أبو القاسم الشابي: الخيال الشعري عند العرب
… إن كل ما أنتجه الذهن العربي في مختلف عصوره، قد كان على وتيرة واحدة، ليس له من الخيال الشعري حظ ولا نصيب. وإن الروح السائدة في ذلك هي النظرة القصيرة الساذجة التي لا تنفذ إلى جوهر الأشياء وصميم الحقائق، وإنما همها أن تنصرف إلى الشكل والوضع، واللون، والقالب، أو ما هو إلى ظواهر الأشياء أدنى من دخائلها، فهي لا تتحدث عن الطبيعة إلا بألوانها وأشكالها، ولا يهمها من المرأة إلا الجسد البادي، وهي في القصة لا تتعرف إلى طبائع الإنسان وآلام البشر، وفي الأساطير لا تعبر عن فكر سام وخيال فياض، وإنما هي أوهام طائشة وأنصاب جامدة. كل هذا علمتموه من قبل حينما عرضت له في شيء من التحليل والإطناب والاستقراء. أما الذي يهمني الآن بعد أن علمتم أن كل ما أنتجه العقل العربي كان مطبوعا على غرار واحد ومصطبغا بصبغة واحدة، فهو أن نعرف طبع الروح العربية التي صقلت منتجاتها هذا الصقال. وأرسلت عليها من هذا اللون الذي عرفتموه. وأن نعرف العوامل التي عملت على خلقها هذا الخلق الذي وسم كل ما جادت به قريحتها بوسم خاص.
إذن فما هذه الروح العربية وما هو طبعها الخاص؟
الروح العربية خطابية مشتعلة. لا تعرف الأناة في الفكر فضلا عن الاستغراق فيه. ومادية محضة لا تستطيع الإلمام بغير الظواهر مما يدعو إلى الاسترسال مع الخيال إلى أبعد شوط وأقصى مدى، ومن هاتين النزعتين - الخطابية والمادية – التين ذهبا بها في الحياة مذهبا خاصا، كان لها ذلك الطبع الشبيه بالنحلة المرحة لا تطمئن إلى زهرة حتى تغادرها إلى أخرى من زهور الربيع، ولذلك فهي أبدا متنقلة وهي أبدا حائمة. تلك هي الروح العربية وذلك هو طبعها وإن فيما رأيتم من آثارها العقلية لصداق لما قلته.
وقد كان لهاتين النزعتين الأثر الكبير في إضعاف مَلَكة الخيال الشعري في النفسية العربية حتى كانت آثارها على ما رأيتم… وقد كان لهاتين النزعتين آثار أخرى في آراء العرب وأذواقهم منها أنهم كانوا لا ينظرون إلى الشاعر كما ننظر نحن له الآن من أنه رسول الحياة لأبنائها الضائعين بين مسالك الدهر، بل كانوا لا يفرقون بينه وبين الخطيب من أنه حامي ذمار القبيلة، والمناضل عن أعراضها بلسانه. والمستفز لنخوة الحمية في أبنائها حينما تأزف الآزفة ويجد الجد، إلا أن الشاعر ينظم خطبته والآخر ينثرها نثرا. حتى أنهم لما جعلوا لشعرائهم أرواحا تملي عليهم الشعر، لم يجعلوا تلك الأرواح ملائكة أو آلهة تسمعهم الوحي وتملأ قلوبَهم بالأناشيد الخالدة… كما كان في أساطير غيرهم، وإنما جلوها شياطين تصقل لسان الشاعر وتجعله أدنى إلى بلاغة القول وجزالة الخطاب، وما ذلك إلا لأنهم لا يرون في الشاعر إلا خطيبا ينظم ما يقول…
ولكنكم حريون بعدئذ أن تقولوا: إن هاته العوامل لا يمكن أن تؤثر إلا في العصر الجاهلي، إذ فيه وحده يمكن توفر هاته العلل والأسباب. أما العصر الأموي والعصر العباسي والعصر الأندلسي فهي بمعزل عن مثل هاته العوامل التي ألقت على الروح العربية ذلك الرداء حيث قد تغيّرت في مثل هاته العصور الأوساط الطبيعية والمعنوية التي عاش فيها العرب وألفوها. فما السبب إذن في أن الأدب العربي قد ظلت تسود عليه روح واحدة في جميع هاته العصور، وقد ظلت نظرته إلى الحياة
|
المزيد