المئوية الأولى للشابي…

كتبها علي الجواشي ، في 25 فبراير 2009 الساعة: 20:05 م



 

أبو القاسم الشابي: الروح العربية خطابية مشتعلة

إيلاف

 

ألقى أبو القاسم الشابي (1909 - 1934) في “النادي الأدبي التونسي”، سنة 1929، محاضرة  نشرت في طبعة محدودة الكمية في العام نفسه تحت عنوان “الخيال الشعري عند العرب”.. وهي محاضرة تكشف إلى أي مدى كان الشابي، وهو يناهز العشرين عاما، طليعيا ذا رؤية حديثة ومتطورة في قراءته النقدية للتراث العربي التي تكاد تتفق مع طروحات كتبها المستشرق الألماني غرونباوم في مطلع ثلاثينات القرن الماضي (علما ان الشابي كان يجهل اللغات الأجنبية)، وإلى أي حد كان يريد تخليص مفهوم الشعر من كل التعاريف العربية الكلاسيكية له. لذا، وجدنا أن أفضل احتفال بذكرى ميلاده المئوية، هو أن نقدم لقارئ الانترنت اليوم مقتطفات من هذه المحاضرة الرائعة والملهمة، على أمل أن نقدمها كاملة في المستقبل القريب:

 أبو القاسم الشابي: الخيال الشعري عند العرب

… إن كل ما أنتجه الذهن العربي في مختلف عصوره، قد كان على وتيرة واحدة، ليس له من الخيال الشعري حظ ولا نصيب. وإن الروح السائدة في ذلك هي النظرة القصيرة الساذجة التي لا تنفذ إلى جوهر الأشياء وصميم الحقائق، وإنما همها أن تنصرف إلى الشكل والوضع، واللون، والقالب، أو ما هو إلى ظواهر الأشياء أدنى من دخائلها، فهي لا تتحدث عن الطبيعة إلا بألوانها وأشكالها، ولا يهمها من المرأة إلا الجسد البادي، وهي في القصة لا تتعرف إلى طبائع الإنسان وآلام البشر، وفي الأساطير لا تعبر عن فكر سام وخيال فياض، وإنما هي أوهام طائشة وأنصاب جامدة. كل هذا علمتموه من قبل حينما عرضت له في شيء من التحليل والإطناب والاستقراء. أما الذي يهمني الآن بعد أن علمتم أن كل ما أنتجه العقل العربي كان مطبوعا على غرار واحد ومصطبغا بصبغة واحدة، فهو أن نعرف طبع الروح العربية التي صقلت منتجاتها هذا الصقال. وأرسلت عليها من هذا اللون الذي عرفتموه. وأن نعرف العوامل التي عملت على خلقها هذا الخلق الذي وسم كل ما جادت به قريحتها بوسم خاص.

إذن فما هذه الروح العربية وما هو طبعها الخاص؟
الروح العربية خطابية مشتعلة. لا تعرف الأناة في الفكر فضلا عن الاستغراق فيه. ومادية محضة لا تستطيع الإلمام بغير الظواهر مما يدعو إلى الاسترسال مع الخيال إلى أبعد شوط وأقصى مدى، ومن هاتين النزعتين - الخطابية والمادية – التين ذهبا بها في الحياة مذهبا خاصا، كان لها ذلك الطبع الشبيه بالنحلة المرحة لا تطمئن إلى زهرة حتى تغادرها إلى أخرى من زهور الربيع، ولذلك فهي أبدا متنقلة وهي أبدا حائمة. تلك هي الروح العربية وذلك هو طبعها وإن فيما رأيتم من آثارها العقلية لصداق لما قلته.
وقد كان لهاتين النزعتين الأثر الكبير في إضعاف مَلَكة الخيال الشعري في النفسية العربية حتى كانت آثارها على ما رأيتم… وقد كان لهاتين النزعتين آثار أخرى في آراء العرب وأذواقهم منها أنهم كانوا لا ينظرون إلى الشاعر كما ننظر نحن له الآن من أنه رسول الحياة لأبنائها الضائعين بين مسالك الدهر، بل كانوا لا يفرقون بينه وبين الخطيب من أنه حامي ذمار القبيلة، والمناضل عن أعراضها بلسانه. والمستفز لنخوة الحمية في أبنائها حينما تأزف الآزفة ويجد الجد، إلا أن الشاعر ينظم خطبته والآخر ينثرها نثرا. حتى أنهم لما جعلوا لشعرائهم أرواحا تملي عليهم الشعر، لم يجعلوا تلك الأرواح ملائكة أو آلهة تسمعهم الوحي وتملأ قلوبَهم بالأناشيد الخالدة… كما كان في أساطير غيرهم، وإنما جلوها شياطين تصقل لسان الشاعر وتجعله أدنى إلى بلاغة القول وجزالة الخطاب، وما ذلك إلا لأنهم لا يرون في الشاعر إلا خطيبا ينظم ما يقول…
ولكنكم حريون بعدئذ أن تقولوا: إن هاته العوامل لا يمكن أن تؤثر إلا في العصر الجاهلي، إذ فيه وحده يمكن توفر هاته العلل والأسباب. أما العصر الأموي والعصر العباسي والعصر الأندلسي فهي بمعزل عن مثل هاته العوامل التي ألقت على الروح العربية ذلك الرداء حيث قد تغيّرت في مثل هاته العصور الأوساط الطبيعية والمعنوية التي عاش فيها العرب وألفوها. فما السبب إذن في أن الأدب العربي قد ظلت تسود عليه روح واحدة في جميع هاته العصور، وقد ظلت نظرته إلى الحياة

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

من كلاسيكيات الفكر الأشتراكي (6) الأخيرة…

كتبها علي الجواشي ، في 19 يناير 2009 الساعة: 20:22 م

 

بؤس الفلسفة

كارل ماركس 

ميتافيزيك الاقتصاد السياسي
اضرابات واتحدات العمال
كل حركة ارتفاع في الأجور ليس لها إلا تأثير أوحد وهو ارتفاع أسعار القمح والخمر الخ. أي تأثير في القلة والعوز. وماهي الأجور ؟ هي سعر تكاليف القمح الخ. وهي السعر الجزئي لكل شيء ونقدر أن نقول أكثر من هذا: إن الأجور هي نسبة العوامل التي تشكل الثروة وهي استهلاك انتاج كل يوم يقوم به العمال. والآن لنشك في الأجور… أي لنقدم لكل منتج حصة أكبر من انتاجه، وهذا شيء مناقض. وإذا كان الارتفاع يتحدد لعدد صغير منا الصناعات الاخرى، فإن هذا الارتفاع يسبب اضطراباً عاماً في التبادل، أي يسبب عوزاً وقلة… من المستحيل، اصرح، ان الاضرابات التي يتبعها زيادة في الأجور لاتتحدد في الاتفاع عام للاسعار : هذا أكيد كما أن 2 + 2 = 4 ( المجلد 1، صفحة 110 و111).
أولاً – لا يوجد ارتفاع عام للاسعار. إذا كان كل شيء قد تضاعف بنفس نسبة ارتفاع الأجور، فإننا لانسمي هذا ارتفاع أسعار، والتعبير هو التغيير الوحيد.
وثانياً – ﺇن ارتفاعاً في الأجور لا يؤثر كثيراً أو قليلاً في ارتفاع عام لسعر البضائع، لو أن كل صناعة استخدمت نفس عدد العمال بالنسبة لرأسمال ثابت أو بالنسبة للادوات المستعملة، فإن ارتفاعاً عاماً في الأجور ينتج هبوطاً عاماً في الارباح وسعر البضائع لا يتغير.
ولكن فيما يتعلق بالعمل اليدوي والرأسمال الثابت فلا يكون نفس الشيء في صناعات مختلفة، إذ أن كل الصناعات التي تستخدم كمية أكبر نسبياً من رأسمال وعمال أقل، ستكون مجبرة عاجلاً أو آجلاً أن تخفض سعر بضائعها. و في الحالة المعاكسة، حيث أن سعر بضائعها لا يخفض، فإن سعرها سيعلو أكثر من مستوى الأرباح العام. ليست الآلات بكاسبي أجور إذن، نرى أن ارتفاعاً عاماً في الأجور يؤثر أقل في الصناعات التي إذا قابلناها بالصناعة الاخرى، فإنها تستخدم آلات أكثر مما تستخدم عمالا. ولكن الأرباح التي تعلو أكثر من معدل النسبة تكون أرباحاً انتقالية. وهكذا – رغم وجود بعض الذبذبات – فإن ارتفاعاً عاماً في الأجور سيعود – لا كما يقول برودون إلى زيادة عامة في الأسعار – بل إلى هبوط جزئي، أي هبوط في سعر البضائع التي تصنع بالدرجة الاْولى بواسطة الآلات.
ﺇن ارتفاع أو انخفاض الاْرباح والأجور تعبر عن النسبة التي يشارك فيها معظم الرأسماليون والعمال في إنتاج يوم عمل بدون أن يؤثروا في معظم الأوقات بسعر المنتوج. ولكن « الاضرابات التي يتبعها زيادة في الأجور تظهر في ارتفاع عام للاسعار في قلة وعوز ». هذه ليست إلا أفكاراً تزخر فقط في دماغ شاعر لا يفهم.
نرى في انكلترا أن الاضرابات تسبب ارتفاعاً لدى اختراع وتطبيق الآلات الجديدة. كانت الآلات – كما يقال – السلاح الذي يستخدمه الرأسماليون ليقهروا تمرد العمل المختص. إن آلة الغزل التي تعمل لذاتها – وهي أعظم اختراع صناعي حديث – جردت النساجين من عملهم وجعلتهم يتمردون: لو لم يكن للاضرابات والاتحادات إلا جعل العبقرية الميكانيكية تعمل ضدهم، لكلنوا لايزالون بفرضون تأثيراً على نمو الصناعة.
يتابع برودون: « أجد في كتاب نشره ليون فوشر… أيلول سنة 1845 أن العمال الانكليز كانوا لوقت ما قد أقلعوا عن عادة الاتحاد الذي هو تقدم يجب تهنئتهم عليه: لكن هذا التحسن في أخلاق العمال يأتي بالدرجة الأولى عن ثقافتهم الاقتصادية. لقد صرح عامل نساج في طاحونة في اجتماع بولطن « يستعمل الأسياد الأجور أوقات الانخفاض والأزمات كسوط يستعملونه إن أرادوا أو ما أرادوا. إن المبدأ المنظم هو علاقة العرض بالطلب، وليس للأسياد هذه القوة، … حسناً فعلت ». يصرخ برودون « هؤلاء هم عمال عاقلون مدربون جيداً انهم نموذج للعمال الخ. أن فقراً كهذا لم يوجد في انكلترا، وسوف لا يعبر القنال » ( المجلد 1، صفحة 261، 262 ).
كانت بولطن من بين المدن الانكليزية إحدى المدن حيث كانت التقدمية فيها نامية أكثر من المدن الأخرى. ويعرف عمال بولطن أنهم ثوريون أكثر من أي عمال آخرين. وفي وقت اضطراب انكلترا الذي سبب القضاء على قوانين القمح، فكر الصناعيون الانكليز أنهم كانوا يقدرون ما إن يتفقوا مع مالكي الأرض إذا هم دفعوا العمال إلى الامام. ولكن بما أن مصالح العمال كانت مناقضة لمصالح الصناعيين كما كانت مصالح الملاكين تناقض مصالح الصناعيين فكان من الطبيعي أن الصناعيين سيكونون ضد العمال في اجتماعهم. وماذا فعل الصناعيون ؟ إنهم نظموا اجتماعات مؤلفة من رؤساء العمل ومن عدد صغير من العمال الاْذكياء – كما في بولطن ومانشستر – ان يشاركوا في الاجتماعات حتى يحتجوا ضدهم ومنعوا من القبول على أساس أنهم لا يحملون تذاكر حضور – هذا الاجتماع الذي كان يقبل من كل حامل بطاقة دخول. لكن حاملي الاعتراضات تجمهروا حول الجدران وأعلنو اجتماعات عامة. وكلما عقد اجتماع من هذه الاجتماعات، كنت ترى جرائد الصناعيين يصفونه بروعته ويصفون الخطابات التي ألقيت. ومما لاشك فيه أن رؤساء العمل هم الذين ألقوا الخطابات وليس الصناعيين. وكانت جرائد لندن تكتبها كلمة كلمة. و قد خلط برودون بين رؤساء العمل والعمال.
و لو كانت الاضرابات سنة 1844 و1845 قد جذبت انتباهاً أقل من قبل، ذلك لأن سنة 1844 – 45 كانت أول سنتين ازدهرت فيهما الصناعة الانكليزية منذ سنة 1837، ومع ذلك لم تحل ولا نقابة عمال واحدة.
والآن لنستمع لرؤساء عمال بولطن: بالنسبة لهم ليس للصناعيين قيادة أو سلطة على الأجور لأن ليس لهم سلطة على السوق العالمي. ولهذا السبب يريدون أن يفهم الغير أن الاتحادات يجب أن لا تشكل حتى تنال زيادة في الأجور من الأسياد، وبرودون على العكس، يمنع الاتحادات لخوفه أن ارتفاعاً في الأجور سيتبعه وهذا الارتفاع في الأجور يقود للقلة والعوز، لا نحتاج أن نقول من جهة يوجد اتحاد ضمني وودي بين برودون ورؤساء العمل و هذا الاتحاد: إن ارتفاعاً في الأجور يعادل ارتفاعاً في أسعار المنتوجات.
ولكن هل الخوف من القلة هو السبب الحقيقي لمخاوف برودون ؟ كلا، إنه ينزعج من رؤساء عمل في بولطن لأنهم لا يحددون القيمة بالعرض والطلب و لأنهم لايعتبرون القيمة مشكلة، أي القيمة التي مرت بطور التشكيل، أي لايهتمون بتشكيل القيمة وهي تتضمن تبادلاً دائماً لكل نسب العلاقات و علاقات النسب، مع العزة اﻹلهية بجانبها.
« إن إضراب العمال غير شرعي، وليس قانون العقوبات الذي يقول هذا، بل إن الطريقة الاقتصادية وضرورة النظام المستتب هي التي تقوله، إن عاملاً واحداً أو عمالاً أفراديين لا يقدرون أن يقوموا بعمل ما بل إن اتحادهم ضروري ليقاوموا الاحتكار، إن عملهم هذا لا يقره المجتمع ». (المجلد 1، صفحة 332 و335).
يريد برودون أن يوجد مادة من مواد قانون العقوبات وليراها ضرورة و نتيجة عامة لعلاقات الانتاج البرجوازي.
نالت الاتحادات في انكلترا حقوقها بواسطة البرلمان وكانت الطريقة الاقتصادية هي التي أجبرت الألمان أن يمنحها حقوقها. ففي سنة 1825 على أيام حكم الوزير هسكون كان على البرلمان أن يعدّل القانون حتى يطابق الأحوال الناتجة عن المنافسة الحرة، وهكذا كان من الضرور

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

من كلاسيكيات الفكر الأشتراكي(5)

كتبها علي الجواشي ، في 19 يناير 2009 الساعة: 19:50 م

 

بؤس الفلسفة 

كارل ماركس 
ميتافيزيك الاقتصاد السياسي
الملكية أو ريع الأرض
في كل حقبة تاريخية تطورت الملكية ونمت حسب مفهوم علاقات اجتماعية مختلفة، وهكذا لكي نعدد الملكية البرجوازية ماعلينا إلا أن نقدم عرضا عن كل العلاقات الاجتماعية للانتاج البرجوازي.
ولكي نحاول أن نحدد الملكية بأنها علاقات مستقلة أو لائحة مستقلة أو فكرة خالدة ومثالية، لا يكون هذا إلا خيالياً يمتطيه الميتافيزيك والفقه.
إن برودون – وهو يظهر أنه يتكلم عن الملكية عامة – يتكلم فقط عن ملكية الأرض أو ريع الأرض.
« إن أصل الريع، الملكية، هو شيء فوق الاقتصاد: إنه يوجد بوجود اعتبارات نفسية وأخلاقية وهذه الاعتبارات بعيدة الاتصال عن إنتاج الثروة » (المجلد ٢، صفحة ٢٦٥).
وهكذا يعني برودون أنه غير قادر أن يفهم الأصل الاقتصادي للريع والملكية، ويقول أن مقدرته تجبره أن ينسبها إلى اعتبارات أخلاقية ونفسية بعيدة الاتصال بانتاج الثروة، ولكن لها علاقة بضيق أفقه التاريخي. يؤكد برودون أنه يوجد شيء صوفي وعجيب فيما يتعلق بأصل الملكية. والآن – لننظر أعجوبة في أصل الملكية – أو لنعجل علاقة سرية بين الانتاج ذاته وتوزيع أدوات الانتاج. أليس هذا – لنستعمل لغة برودون – رفض أكيد لكل ادعاءات علم الاقتصاد ؟
إن برودون يضيف على نفسه قوله إنه في الحقيقة السابقة للتطور الاقتصادي – أي الرصيد – عندما كانت الاسطورة سبباً لاختفاء الحقيقة، وعندما هدد النشاط الانساني بفقدان ذاته، أضحى ضرورياً أن يرتبط الإنسان بقوة أكثر بالطبيعة، والآن كان الريع سعر هذا العقد أو الرباط. (المجلد ٢، صفحة ٢٦٩).
L’homme aux quarante écus تنبأ به برودون للمستقبل: « السيد الخالق. كل فرد سيد في عالمه، ولكن، ليس ممكناً أن تجعلني أعتقد ان العالم الذي يعيش به مصنوع من البذور ». في عالمك – حيث الرصيد النقدي كان وسيلة لفقدان الشخص في فراغ عميق، من الممكن أن تصبح الملكية ضرورية حتى تعمي إنسان الطبيعة. وفي عالم الانتاج الحقيقي حيث كانت ملكية اﻷرض دوماً تسبق الرصيد النقدي، نجد أن خوف برودون لم يكن موجوداً.
ولدى قبول فكرة الريع ولو مرة – مهما كان أصلها – تصبح موضوع مفاوضات مضادة بين المزارع ومالك الأرض. وماهي النتائج القصوى لهذه المفاوضات، أي ما هو المعدل العام للريع ؟ هذا ما يقوله برودون:
« ﺇن نظرية ريكاردو لاتجيب هذا السؤال. عندما ابتدأت المجتمعات، عندما كان الإنسان جديداً على الأرض، لم تكن أمامه إلا الغابات الواسعة الضخمة، عندما كانت الأرض واسعة وعندما كانت الصناعة مبتدئة، عندما كان كل هذا الريع لا يزال عدماً. واﻷرض – ولم تكن بعد نتيجة تشكيل العمل – كانت موضوع منفعة ولم تكن قيمة تبادل، كانت الأرض عامة ولم تكن اجتماعية، ورويداً رويداً نرى أن تكاثر العائلات وتقدم الزراعة أظهر قيمة الأرض وأصبح العمل يعطي الأرض قيمتها أي ما تستحقه: ومن هذا وجد الريع، فكلما أعطى الحقل ثماراً أكثر بنفس كمية العمل كلما كانت قيمته ترتفع ! وبما أن هدف المالكين كان الحصول على كل ما تنتجه الأرض لذلك أصبحت أجور المزارع أقل – يعني أقل من تكاليف الانتاج – وهكذا تبعث الملكية آثار العمل لكي تأخذ كل الانتاج الذي يزيد المصاريف الحقيقية. وبما أن المالك كان يحقق عملاً خارقاً، فالمزارع إذاً ليس إلا عاملاً مسؤولاً – هكذا تريد العزة الالهية – وعليه أن يؤدي للمجتمع كل زيادة عن أجرة المشروع… فالريع بجوهره هو وسيلة لتوزيع العدل وهو وسيلة من ألوف الوسائل التي تستخدمها عبقرية الاقتصاد لتحقق المساواة – لقد حصل تناقض عظيم بين المزارعين والملاكين من جراء تقدير الأرض – ولكن بدون وقوع اصطدام – وكان هذا التناقض يهدف إلى تسوية ملكيات الأرض بين مستغليها وصانعيها… وما كانت هذه الملكية السحرية تحتاج ﺇلا أن تنزع من المستغل فائض الانتاج الذي كان يعتبره ملكاً وحقاً له. فالريع أو باﻷحرى الملكية، حطم الأنانية الزراعية وأوجد واقعاً لايمكن أن تخلفه لاقوة ولا تقسيم الأرض… والتأثير الأخلاقي الذي تركته الملكية في الوقت الحاضر هو العمل على توزيع الريع » (المجلد ٢، صفحة ٢٧٠، ٢٧٢).
يمكن اختصار كل هذا المزيج من الكلام هكذا: يقول ريكاردو أن زيادة سعر المنتوجات الزراعية عن تكاليف إنتاجها – متضمناً الربح العادي والفائدة على رأس المال – يعطينا مقياس الريع. إن برودون يصيب أكثر ﺇذ يجعل المالك يتدخل وينتزع من المستغل كل فائض انتاجه الذي يزيد عن تكاليف الانتاج. إنه ينتفغ من تدخل المالك لكي يشرح الريع، إنه يجيب على السؤال عندما يصيغ قاعدة لنفس المسألة ويضيف عليها مقطعاً.
ولنلاحظ أنه لدى تحديد الريع من جراء اختلاف خصوبة الأرض، نجد برودون يعني أصلاً جديداً له – بما أن الأرض قبل وجودها تشكل درجات متفاوتة الخصوبة – لم تكن في نظره قيمة التبادل بل كانت عامة، ماذا حدث ﺇذاً لأسطورة الريع التي وجدت من ضرورة ﺇرجاع إنسان للأرض كاد أن يفقد نفسه في أبدية فراغ هائل ؟
والآن لنحرر نظرية ريكاردو من سيطرة القوة الالهية ومن القالب الذي صاغها به برودون ؟
ﺇن الريع – حسب نظرية ريكاردو – هو ملكية الأرض في حالتها البرجوازية، أي ملكية الاقطاع التي أصبحت خاضعة لشروط الانتاج البرجوازي.
لقد رأينا – بالنسبة لنظرية برودون – أن سعر كل الأشياء يتحدد بتكاليف إنتاجها، بالاضافة للربح الصناعي، أي وقت العمل المستخدم. ففي الصناعة الآلية نجد سعر المنتوج المحصول بأقل كمية عمل ممكن ينظم سعر كل السلع الاخرى التي هي من نفس النوع، أخذه بعين الاعتبار أن أرخص أدوات الانتاج وأكثرها انتاجية يمكن إكثارها للانهاية وأن المنافسة تخلق سعر السوق، أي تخلق سعراً عاماً لكل المنتوجات من نفس النوع.
وفي الصناعة الزراعية على العكس، نجد أن سعر المنتوج المحصول عليه بأكبر كمية عمل ينظم سعر المنتوجات الأخرى التي هي من نفس النوع. ففي الدرجة لا يقدر أحد – كما هو المثال في الصناعة الآلية أن يكثر كما يريد أدوات الانتاج التي لها نفس درجة الانتاج، أي إيجاد أراضي لها نفس درجة الخصوبة. وهكذا، لدى زيادة السكان – نجد أن الأرضي ذات القيمة المنخفضة، يوظف فيها رأسمال قليل. وفي كلا الحالتين تتطلب كمية أكبر من العمل للحصول على إنتاج أقل. وبما أن حاجات السكان تطلبت ضرورة زيادة العمل، فإن منتوج الأرض الذي يكلف استغلالها أكثر يكون كبيع أرض استغلالها أرخص. وبما أن المنافسة تخلق سعر منتوج الأرض، فإن زيادة سعر المنتوجات – الذي يعود لتربة أحسن يزيد على تكاليف انتاجها – هذا الانتاج الذي يشكل الريع. ولو كان يقدر شخص أن يجد أراضي بنفس درجة الخصوبة ولو كان يقدر – في الصناعة الآلية – أن يؤدي باستمرار إنتاج الأشياء وبشكل أرخص وتقديم آلات إنتاج أكثر وأرخص، وأن توظيف رأس المال الاضافي كان يعطي نتيجة كاﻷول، لكان سعر المنتوجات الزراعية يتحدد بسعر السلع المنتوجة بأحسن وسائل الانتاج – كما رأينا بمثل سعر المنتوجات المصنوعة. ولكن الريع يختفي منذ هذه اللحظة.
ولو كانت نظرية ريكاردو كلها حقيقة، لكان من الضروري لرأس المال أن يستعمل بحريته في فروع الصناعة المختلفة، لكننا نجد منافسة قديمة بين الرأسماليين تحصر الأرباح في مستوى واحد متساو، ولكنا نجد المزارع رأسمالياً صناعياً يطلب توظيف رأسماله في أرض ثانوية لينال ربحاً مساوياً ﻷي ربح في أي صناعة، ولو كان هذا لكان الاستقلال الزراعي يخضع للصناعة ذات الانتاج الضخم، وأخيراً لكان مالك الأرض نفسه لايهدف ﺇلا لارجاع دراهمه.
لا يمكن أن يحدث – كما حدث في ايرلندا – أن الريع لا يوجد رغم أن تطور الأرض ونموها وصل درجة قسوى. والريع، بما أنه زيادة عن الأجور وعن الربح الصناعي لا يمكن أن يوجد حيث لا تكون واردات مالك الأرض شيئاً.
وهكذا، بعد أن تتصور تحويل مستغل اﻷرض أو المزارع إلى عامل بسيط، وأن ننتزع من المستغل فائض انتاجه الذي لا يتنازل عنه ﻷنه يعده خاصاً به، فإن الريع يقف مانعاً لصاحب اﻷرض ليس بواسطة الخادم بل بواسطة من يجعل صاحب الأرض أن يقف مضاداً للرأسمالي الصناعي وليس مع الخادم أو مع العبد أو مع دافع الفريضة أو مع عامل الاجرة.
إذا اعتبرنا ولو مرة ريع الأرض، فإن ملكية الأرض لاتعود تملك فائض تكاليف الانتاج التي تتحدد بالأجور وبأرباح الصناعة. لذلك نجد أن ريع اﻷرض انتزع من مالك اﻷرض قسماً من دخله. وهكذا مر وقت طويل قبل أن يحل الرأسمالي الصناعي محل المزارع الاقطاعي. ففي ألمانيا مثلاً، ابتدأ هذا التحويل قي آخر القسم الثالث من القرن الثامن عشر. وفي انكلترا فقط كانت هذه العلاقة قائمة بين الرأسمالي الصناعي ومالك الأرض.
وطالما أن مستغل الأرض الذي قال عنه برودون، موجود فلا وجود للريع. وفي الوقت الذي يوجد فيه الريع، فإن مستغل الأرض لا يبقى المزارع بل يكون العامل أي مزارع مستغل الأرض. إن تحقير العامل وجعله بمثابة شغيل بسيط، أي شغيل يومي، وجعله يعمل للرأسمالي الصناعي، وتدخل الرأسمالي الصناعي – وهو يستغل اﻷرض كأنه يستغل مصنعاً – وتمويل مالك اﻷرض من حاكم مطلق صغير إلى مرابي فظيع، هذه كلها هي العلاقات المختلفة التي يعبر عنها الريع.
ﺇن الريع – في نظرية ريكاردو – هو الزراعة البطريركية المتحولة لصناعة تجارية وهو الرأسمال الصناعي الذي يستعمل لاستثمار الأرض وهو برجوازية المدنية المطبقة في القرية. والريع – عوضاً ان يوجد الانسان بالطبيعة. قد ربط استغلال الأرض بالمنافسة. وعندما تعد ملكية اﻷرض ريعاً فان ملكية اﻷرض ذاتها تصبح نتيجة للمنافسة ولذلك فهي من ذلك الوقت تعتمد على قيمة السوق للانتاج الزراعي. وكريع، تصبح ملكية الأرض مادة للتجارة. ان الريع ممكن تحقيقه فقط من لحظة تطور الصناعة القعرية ومن لحظة ما ينتج عنها تنظيم اجتماعي، وهذا م اجبر مالك الأرض ان يحصر هدفه في الارباح النقدية. وان ينظر ال العلاقة النقدية لمنتوجاته الزراعية – وفي الواقع ينتظر من ملكيته للاْرض ان تكون تربة آلة لتحصيل النقد. لقد جعل الريع مالك ﻷرض ان يطلق التربة، وان يطلق الطبيعة حتى انه لا يحتاج ان يعرف ملكياته، وهذا ما حدث في انكلترا. فيما يتعلق بالمزارع وبالرأسمالي الصناعي والشغيل الزراعي، فانهم لايرتبطون باﻷرض التي يستغلونها اكثر من المستخدم والشغيل ف

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

من كلاسيكيات الفكر الأشتراكي(4)

كتبها علي الجواشي ، في 19 يناير 2009 الساعة: 19:45 م

بؤس الفلسفة  

كارل ماركس

ميتافيزيك الاقتصاد السياسي
المنافسة والاحتكار
الناحية الصالحة للمنافسة: « المنافسة ضرورية للعمل، كتقسيم العمل، وضروريه لتقدم المساواة ».
الناحية الشريرة للمنافسة: « المبدأ هو نفي ذاته. ونتيجته الكبرى هي أنها تسبب خراب كل من يجري ورائه ».
الإنعكاس العام: « إن المساوىء التي تظهر عند بدء المنافسة كالناحيه الصالحة… وكلا الحالتين (الصالحة والشريرة) تصدر عن نفس المبدأ ».
الموضوع الذي يجب حله: « لكي نطبق مبدأ التناسب يجب أن نقتبسه عن قانون أعلى من الحرية ذاتها ».
« لا يمكن أن نوجد سؤالا ليهدم المنافسة، وهذا شيء مستحيل، إذ لا يمكن تهديم النافسة كما لا يمكن تهديم الحرية، علينا فقط أن نوجد تساوياً ».

يبتديء برودون ويدافع عن الضرورة الأبدية للمنافسة ضد هؤلاء الذين يريدون أن يستعيضوا عنها بالتناحر(وهؤلاء هم أتباع فورييه).
لا توجد « منافسة لا هدف لها ». وربما أن موضوع كل شعور وميل يشبه الشعور نفسه، مثلاً – امرأة بالنسبة للحب، القوة بالنسبة للطموح، الذهب بالنسبة للرجل الذي ينكر نفسه ويتعلق بشهواته ولذاته، والكيل الزهر بالنسبة للشاعر – إن موضوع التناحر الصناعي يعني بالضرورة الربح، والتناحر ليس إلا المنافسة ذاتها ». المجلد 1، صفحة 187.
إن المنافسة هي التناحر بالنسبة للربح. وهل التناحر الصناعي بالضروره تناحر بالنسبة للربح، أي المنافسة ؟ يبرهن برودون هذا القول لدى تأكيده. ونحن رأينا بالنسبة له أن التثبيت في القول هو البرهان، كما أن الإفتراض هو النكران.
إن كانت المرأة موضوع أو هدف المحب، فإن الإنتاج وليس الربح هو هدف التناحر الصناعي.
ليست المنافسة تناحرا صناعيا، إنها تناحر تجاري. ويوجد في وقتنا تناحر صناعي فقط في نظر التجارة. وتوجد أوقات في التاريخ الإقتصادي للأمم نجد كلاً يحاول أن يربح دون أن ينتج. إن هذه المحاولة لأجل الربح إذ تحدث في أوقات معينة، تحمل في ثناياها شخصية المنافسة، هذه المنافسة التي تحاول أن تتهرب من حاجة التناحر الإقتصادي.
لو أخبرت مهنياً في القرن الرابع عشر أن الإمتيازات، وأن التنظيم الإقطاعي الصناعي سيقضى عليهما، وسيستعاض عنهما بالتناحر الصناعي، الذي يدعى المنافسه، لأجابك أن إمتيازات الإتحادات التجارية العديدة والنقابات والجمعيات الأخوية، كانت عبارة عن منافسة منظمة. يبرهن برودون أنه يحسن هذا القول عندما يثبت أن التناحر ليس إلا المنافسة ذاتها.
« صدر مرسوم في كانون الثاني سنة 1847 يؤكد أنه سيضمن العمل والأجور للجميع، وحالاً بعد هذا سيتبع ركود هائل للصناعة » (المجلد 1، صفحة 189).
وعوض الإفتراض والنفي، حصل عندنا مرسوم وهو أن برودون سيبرهن عن ضرورة المنافسة، وخلودها كلائحة، إلخ.
إننا لن نخفف شيئاً من المصيبة إذا اعتقدنا أن المراسيم هي كل ما نحتاجه لكي نقضي علة المنافسة. وإذا كنا نتخيل كثيراً، ونقترح أن نقضي على المنافسة بينما نضيف على الأجور، فنكون كأننا نقترح لا شيء لدى استعمال مرسوم ملكي. لكن الأمم لا تقوم على المراسيم الملكية. وقبل تهيئة هذه المراسيم، يجب أن تكون قد حوت وتضمنت من عاليها لسافلها شروط وجودها الصناعي والسياسي، وبالنتيجة يجب أن تبدل كيانها الملكي.
يجيب برودون – بتأكيده الثابت – إن هذه ليست إلا فرضية « تحويل طبيعتنا دون مقدمات تاريخية »، وأنه محق « عندما يبعدنا ويجردنا عن النقاش »؛ لأننا لا نعرف شيئا عن المراسيم.
لا يعرف برودون أن التاريخ كله ليس إلا تحويلاً مستمراً للطبيعة البشرية.
« دعنا نتعلق بالواقع. قامت الثورة الفرنسية لأجل الحرية الصناعية، كما أنها قامت لأجل الحرية السياسية، رغم أن فرنسا سنة 1789، لم تدرك – لنقل هذه الكلمة بصراحة – كل نتائج البدأ الذي طلبت تطبيقه. ولن أنازع أبدا من يقوم ضدي ويقول أن مبدأ 25 مليوناًً من الناس كان مبدأ خاطئاً… لماذا إذن المنافسة مبدأ للإقتصاد الإجتماعي مرسوما للمصير، وحاجة للروح البشرية، لماذا عوضاً أن نقضي على الإعتمادات الكبرى والنقابات والأخويات، لماذا لا يفكر كل واحد أن يصلح الجميع ؟ (المجلد 1، صفحة 191-192(.
وهكذا، بما أن فرنسا القرن الثامن عشر قضت على الأتحادات الكبرى، والنقابات والأخويات عوضاً عن إصلاحها وتكييفها، فإن فرنسا القرن التاسع عشر يجب أن تكيف المنافسة وتصلحها عوضاً عن القضاء عليها. وبما أن المنافسة تأسست في فرنسا، في القرن الثامن عشر كنتيجة للحاجات التاريخية ،فيجب أن لا تهدم هذه المنافسة في القرن التاسع عشر من جراء وجود حاجات تاريخية أخرى. إن برودون – وهو يعرف أن تأسيس المنافسة كان مرتبطاً بتطور الناس في القرن الثامن عشر– يجعل المنافسة ضرورة للروح البشرية في Partilus infidelium (أرض ناكري الجميل) وماذا كان يريد أن يصنع بكولبرت القرن السابع عشر العظيم ؟
إن مشاريع وأعمال الدولة الحاضرة تأتي بعد الثورة. ويستنتج برودون وقائع منها ليظهر خلود المنافسة، ببرهانه إن كل الصناعات هي في حالة انحطاط وتقهقر.
ولنقل أنه توجد صناعات لم تصل بعد درجة المنافسة، وأن بعض الصناعات لا تزال تحت مستوى الإنتاج البورجوازي. إن هذا القول ليس إلا مقدرا لا يقدم لنا ولو برهانا صغيراً على خلود المنافسة.
إن منطق برودون يقود إلى هذا: المنافسة هي علاقة إجتماعية نطور بها قوانا الإنتاجية. إنه لا يعطي لهذا الحق نمواً وتطوراً منطقياً، بل يعطي اشكالاً – غالبا تكون نامية ومتطورة – عندما يقول أن المنافسة هي احتكار صناعي وهي حرية العصر الحاضر، وهي مسؤولية في العمل، وهي تشكل القيمة، وشرط من شروط تقدم المساواة ومبدأالإقتصاد الإجتماعي، ومرسوم يقرر المصير، وضرورة للروح اليشرية، وإلهام العدل الأبدي، والحرية في التقسيم والتقسيم في الحرية، وهي لائحة إقتصادية.
« إن المنافسة والتجمع لا تساند الواحدة الأخرى، وليستا مفترقتين، وكل من يتكلم عن المنافسة يفترض حالا هدفاً عامَاً. فالمنافسة إذن ليست أنانية. وخطيئة الإشتراكية الكبرى هي افتراضها أن المنافسة تهدم الجميع ». (المجلد 1، صفحة 223).
كل واحد يتكلم عن المنافسة يقصد هدفا عاماً، وهذا يبرهن أن المنافسة هي التجمع، وأنها ليست أنانية. ومن يتكلم عن الأنانية،الا يقصد هدفا عاماً ؟ إن كل أنانية تعمل في المجتمع وبواقع المجتمع. وهي تفترض مسبقاً المجتمع؛ أي تفترض أهدافاً عامة، وحاجات عامة، ووسائل إنتاج عامة إلخ… ألا يكون عندئذ أن المنافسة والتجمع – الذي يتكلم عنه الإشتراكيون – غير مفترقين.
يعرف الإشتراكيون جيدا أن مجتمع الوقت الحاضرمبني على المنافسة. فكيف يقدرون اتهام المنافسة أنها تهدد المجتمع الحاضر، بينما يعمل الإثنان على تهديم يعضهما ؟ وكيف يقدرون أن يتهموا المنافسة أنها تهدم المجتمع الذي سيأتي ؟ إذ يرون في هذا المستقبل – على العكس – أنه يهدد المنافسة.
يقول برودون أن المنافسة معاكسة للإحتكار، وهكذا لا تكون ضد المجتمع.
كانت الإقطاعية – من أصلها – مناقضة للملكية البطريركية، وهكذا لم تكن تناقض المنافسة التي لم تكن موجودة بعد. فهل من هذا أن النافسة لا تناقض الإقطاعية ؟
في الواقع أن المجتمع – والتجمع – هما مخارج تمثل كل مجتمع آخر، تمثل المجتمع الإقطاعي، كما تمثل المجتمع البورجوازي الذي هو تجمع قائم على المنافسة. فكيف يمكن أن يكون هناك إشتراكيون – فقط بوجود كلمة تجمع – يعتقدون أنهم يقدرون أن يدحضوا المنافسة ؟ وكيف يقدر برودون نفسه أن يدافع عن المنافسة الإشتراكيين، إذ يصف المنافسة بكلمة تجمع ؟
إن كل ما قلناه يشكل الناحية الجميلة لل

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

من كلاسيكيات الفكر الأشتراكي(3)

كتبها علي الجواشي ، في 19 يناير 2009 الساعة: 19:38 م

بؤس الفلسفة  

كارل ماركس

ميتافيزيك الاقتصاد السياسي
تقسيم العمل واستعمال الآلة

إن تقسيم العلم بالنسبة لبرودون يفتح الباب لمجموعات التطورات الاقتصادية :
الجانب الصالح لتقسيم العمل
« إن تقسيم العمل هو الطريقة التي تحقق مساواة الأحوال والذكاء » (المجلد 1، صفحة 93).
« أصبح تقسيم العمل بالنسبة لنا آلة الفقر » (المجلد 1، صفحة 94).
الجانب الشرير لتقسيم العمل
« إن العمل، لدى تقسيم ذاته وفقا للقانون الخاص به، ينتهي إلى نفي أهدافه ويحطم ذاته » (المجلد 1، صفحة 94)
حل المسألة
« لكي تجد الحل الذي يقضي على مساوئ تقسيم العمل وفي نفس الوقت تحتفظ بتأثيراته النافعة ». (المجلد 1، صفحة 97(.
إن تقسيم العمل بالنسبة لبرودون قانون أبدي ولائحة بسيطة مجردة. إذن فالتجريد أو الفكرة يجب أن تكفي ليشرح تقسيم العمل وفقا لأزمنة تاريخية مختلفة. إن المذاهب، والشركات التضامنية، ذات الانتاج الضخم يجب أن تفسرها الكلمة الوحيدة « التقسيم » وأول ما يجب أن تعمله هو أن تدرس بإمعان معنى كلمة « تقسيم » ولا تحتاج بعدئذ أن تدرس العوامل المؤثرة العديدة التي تعطي تقسيم ا لعمل صفة محددة في كل عصر.
نجد بالتأكيد، أن الأشياء تصبح أسهل بكثير لو أننا أخفضناها للوائح برودون. والتاريخ لا يتابع مجراه بتنظيم التام كاللائحة. لقد أخذت ألمانيا ثلاث سنوات كاملة لكي تؤسس أول تقسيم للعمل ولفصل المدن عن الضواحي. وبنسبة علاقة المدينة والقرية نجد أن كل المجتمع قد نال أوصافه. وإذا أخذنا هذا المظهر من مظاهر تقسيم العمل، يحصل لدينا الجمهوريات القديمة، ويحصل لديك الاقطاعية المسيحية، وتحصل على انكلترا القديمة بباروناتها وتحصل على انكلترا الجديدة بأسياد القطن فيها.
ففي القرن الرابع والخامس عشر، عندما لم توجد مستعمرات بعد، وعندما لم يمكن لأمريكا تأثيرها على أوروبا ولم تكن معروفة جيدا، وعندما كانت آسيا توجد وتعيش بظل القسطنطينية، وعندما كان المتوسط محور النشاط التجاري، وعندما كان الاسبانيون والبرتغاليون والهولانديون والانكليز والفرنسيون، عندما كان لهم مستعمرات مؤسسة في كل أقسام العالم، إن اتساع السوق وهيكله الخارجي يعطي تقسيم العمل في أزمنة مختلفة شكلا خارجيا يعطيه صفته التي كان من الصعب الوصول إليها من كلمة تقسيم، من الفكرة، من اللائحة.
يقول برودون « إن كل الاقتصاديين منذ آدم سميث أشاروا إلى حسنات ومساوئ قانون التقسيم ولكنهم أصروا على الحسنات أكثر مما أصروا على السيئات لأن الحسنات كانت ذات خدمات أكثر لتفاؤلهم، ولم يعذب أحد بينهم نفسه ليعرف ما هي مساوئ القانون.. فكيف نرى نفس المبدأ يقود إلى نتائج معاكسة ؟ لم يوحد اقتصادي قبل أو بعد آدم سميث قدر أن يدرك أية مسألة يجب حلها. فساي يعترف أنه بتقسيم العمل نجد أن نفس السبب الذي يخلق الصالح يخلق الرديء أيضا ». (المجلد 1، صفحة 95-96).
يذهب آدم سميث أبعد مما يظن برودون. لقد رأى بوضوح « إن الفرق في المواهب الطبيعية عند رجال مختلفين، يقود إلى تقسيم العمل ». وكمبدأ، نجد أن الحمال يختلف عن الفيلسوف أقل مما يختلف كلب كبير عن كلب كبير آخر أصغر بقليل. إنه تقسيم العمل الذي أوجد خليجا بين الاثنين. وكل هذا لم يمنع برودون أن يقول في مكان ما أن آدم سميث لم تكن عنده أقل فكرة عن المساوئ التي يخلقها تقسيم العمل. وهذا ما يجعله يقول مرة أخرى أن ج. ب. ساي كان أول من اعترف أن تقسيم العمل يسبب « إنتاج الصالح وإنتاج الردئ ».
والآن لنستمع إلى لومونتي Lemontey « لكل واحد حاجته ».
« لقد شرفني ج. ب. ساي عندما تبنى في كتابه عن الاقتصاد السياسي المبدأ الذي أخرجته للنور، في المقطع الذي يتحدث به عن تقسيم العمل. وقد اقنع أن يعود إلى كتابي ويقول أنه أخذ المبدأ عني. هذا هو الدافع الوحيد الذي أقدر أن أصف به سكوت كاتب غني في مجموعاته أن يتنكر لدين صغير ». لومونتي، « الأعمال الكاملة ».
ولنقدم هذا المعروف له : لقد عرض لومونتي نتائج تقسيم العمل غير المسرة كما هي معروفة اليوم ولم يجد برودون شيئا ليضيفه عليه. والآن بسبب خطيئة برودون، نعود إلى هذا السؤال، من سبق الآخرين في عرض فكرته. ونقول مرة أخرى أنه قبل لومونتي، وقبل آدم سميث (كان آدم سميث تلميذا لفرجسون Fergson. لقد قدم فرجسون عرضا واضحا عن الموضوع في الفصل الذي يبحث بصورة خاصة تقسيم العمل).
« يشك بعض الأحيان أن كانت مقدرة الأمة تزداد بتقدم الفنون. إن كثيرا من الفنون الميكانيكية.. تنجح كثيرا تحت ضغط الشعور والمنطق، والجهل هو أم الصناعة والخرافة، والانعكاس والخطأ يخضعان للخطأ، ولكن عادة تحريك اليد أو القدم مستقلة عن المنطق والجهل. والصناعات نسبيا، تزدهر حيث لا يستشار العقل وحيث يمكن المعمل – دون جهد كثير وتفكير – أن يعتبر كآلة، والناس هم أقسام هذه الآلة… إن المدير العام يقدر أن يكون ماهرا في معرفة الحرب، بينما مهارة الجندي يمكن أن تنحصر بحركات قليلة باليد والرجل. فالأول يمكن أن يربح ما خسره الثاني.. والتفكير في هذا العصر، عصر التفرقة يمكن أن يصبح مهنة خاصة ». فرجسون، « بحث في تاريخ المجتمع المدني ».
ولكي نضع حدا لهذا الوصف الأدبي نفكر أن « كل الاقتصاديين أصروا على حسنات تقسيم العمل أكثر مما أصروا على سيئاته ». يكفي القول عندما نذكر سيسموندي.
وهكذا طالما أن حسنات تقسيم العمل تهمنا، فما كان من برودون إلا أن يقتطع الجمل والعبارات التي يعرفها.
ودعنا ننظر كيف يستنتج من تقسيم العمل – ويأخذ التقسيم كقاعدة عامة وكلائحة وكفكرة – السيئات المتعلقة به. وكيف يمكن أن هذه اللائحة أو هذا القانون أن يدعو إلى توزيع غير عادل للعمل فيدمر طريقة التعامل لبرودون ؟
« وفي هذه الساعة الرهيبة لدى تقسيم العمل تبتدئ العواطف تعصف بالانسانية. إن النجاح لا يكون في حالة متساوية وعلى نمط واحد… إنه يبتدئ بامتلاك عدد صغير من ذوي الامتيازات… إنه تفصيل الأشخاص في مجرى التقدم الذي حفظ لنا الاعتقاد في لامساواة الأحوال الطبيعية والالهية، وهذا هو سبب وجود المذاهب، إذ تعم الفوضى كل المجتمع » برودون، المجلد، صفحة 94.
إن تقسيم العمل خلق المذاهب. وأصبحت المذاهب الآن تشكل سيئات تقسيم العمل. وهكذا يكون تقسيم العمل هو الذي خلق السيئات. هل تريد أن تنقص الحقيقة وتسأل ما الذي جعل تقسيم العمل يخلق المذاهب والمؤسسات الفوضوية والأشخاص ذوي الامتيازات؟ سيخبرك برودون : إنه التقدم والنجاح. وما الذي خلق التقدم ؟ إنه التحديد. والتحديد بالنسبة لبرودون هو قبول الأشخاص في مجرى التقدم.
وبعد الفلسفة يأتي التاريخ. وليس التاريخ الوضعي أو التاريخ الديالكتيكي بل هو التاريخ المقارن. يقدم برودون برهانا عن عامل مطبعة في الزمن الحديث وعامل مطبعة في القرون الوسطى، وبين رجل العلم الحديث ورجل العلم في القرون الوسطى، وهو يرجح الميزان لكفة هؤلاء الذين يخلصون قليلا أو كثيرا لتقسيم العمل كما كان مفهوم في القرون الوسطى. إنه يقارن تقسيم العمل في زمن تاريخي معين بتقسيم العمل لزمن تاريخي آخر. أكان هذا ما أراد برودون أن يبرهن عليه ؟ كلا. كان يجب أن يرينا سيئات العمل عامة وسيئات تقسيم العمل كلائحة. وعلاوة على ذلك لماذا نعلق كثيرا على برودون، طالما أننا بعد قليل سنراه يقوم ضد هذه التطورات ؟
يتابع برودون ويقول : إن أول تأثير للعمل الجزئي بعد تحطيم الروح هو تطويل نقط التحول التي تكون في نسب معاكسة لحاصل مجموع الذكاء … ولكن بما أن طول مدة نقط التحول لا يمكن أن تزيد على 16 إلى 18 ساعة في اليوم – وفي الوقت الذي لا يمكننا أن نأخذ مكافأة من الوقت فإننا نأخذها من السعر فتهبط الأجور. والمؤكد – وهو الشيء الوحيد الذي يجب ملاحظته – أن الضمير العالمي لا يتحدد بنفس النسبة التي نحدد فيها عمل رئيس الورشة وعمل مساعد ميكانيكي. فمن الضروري إذن أن ننقص يوم العمل حتى لا يتأثر العامل – بعد أن يكون قد تأثر بروحه لهذا العمل التأخيري – من الضربة التي أصابت جسده من جراء اضعاف مكافأته ». (المجلد 1، صفحة 97-98).
نحن نمر مرور الكرام على القيمة المنطقية لهذا الاستقرار، هذا الاستقرار الذي يدرسونه كان استقرارا كاذبا يقود للضلال.
وهذا هو صلب وماهية هذا الاستقرار :
إن تقسيم العمل يحقر العامل إلى درجة متأخرة، وبهذه الدرجة المتأخرة تتعلق روح تعيسة، والروح التعيسة بنقصان مستمر لهبوط الأجور ولكي يبرهن أن هذا التنقيص مؤلم لروح تعيسة يقول برودون – وهو يحاول أن يخفف ألم ضميره – هذا هو ما يريد الضمير العالمي. وهل نقدر أن نعد روح برودون في عداد الضمير العالمي؟
إن الاعتماد على الآلة هو بالنسبة لبرودون « تعاكس الفكرة Antithesis المنطقي لتقسيم العمل » وبمساعدة ديالكتيكية يبتدئ بتحويل استعمال الآلة إلى المعمل.
وبعد أن يكون قد افترض مسبقا المصنع الحديث – حتى يجعل الفقر نتيجة تقسيم العمل – يفترض برودون مسبقا أن تقسيم العمل أوجد الفقر، ولكي يأتي إلى المصنع ويكون قادرا أن يمثله ويقدمه كديالكتيك النفي لذلك الفقر. وبعد أن يقضي على العامل أخلاقيا بعملية التأخير والتنقيص التي قام بها، وبعد أن يقضي عليه جسديا بواسطة قلة الأجور، وبعد أن يضع العامل تحت رحمة رئيس العمل، وبعد أن يخفض من قيمة عمله حتى يقارنه بعمل مساعد ميكانيكي، نراه يلقي اللوم مرة أخرى على المصنع وعلى استعمال الآلة لأنها كانت سبب تأخر العامل « لأنها أصبحت سيدا له »، ويكمل تنقيصه وتحقيره إذ يجعل العامل يسقط من درجة عامل إلى درجة عامل بسيط ». يا له من ديالكتيك ممتاز ! ولو كان قد توقف هنا ! لكن كلا، كان عليه أن يوجد تاريخا جديدا لتقسيم العمل، وليس عليه أن يستنبط المتناقضات منه، بل أن يبني المصنع بالنسبة لذوقه. وليصل لهذا الهدف يجد نفسه مجبرا أن ينسى كل ما قاله عن تقسيم العمل.
ينظم العمل ويقسم بطرق مختلفة بناء على العوامل التي تقوم عليها، إن طاحونة اليد تفترض مسبقا تقسيم عمل مختلف عن تقسيم العمل لطاحونة بخارية. وهكذا فهو يصنع التاريخ بهذا الوجه لأنه يريده أن يبتدئ بتقسيم العمل عامة حتى يحصل على آلة خاصة للإنتاج، أي الآلة.
إن استعمال الآلة لم يعد لائحة اقتصادية أكثر مما هي محراث يسحب سكة الفلاحة. إن الآلة هي قوة إنتاجية. والمصنع الحديث – إذ يعتمد على استعمال الآلة – يكون علاقة اقتصادية، ولائحة اقتصادية.
ولننظر كيف تحدث الأشياء في خيال برودون.
« نجد في المجتمع أن المظهر الدائم للآلة هو الفكرة العكسية Antithesis أي القاعدة المعكوسة لتقسيم العمل، إنها احتجاج العبقرية الصناعة على العمل الجزئي. وما هي الآلة؟ إنها طريقة لتوحيد عدة أجزاء من العمل تفرقت من جراء تقسيم العمل. ويمكن تحديد كل آلة كأنها خلاصة لعمليات عديدة… وهكذا بواسطة الآلة يمكن إعادة سيطرة العمل … واستعمال الآلة – الذي هو في الاقتصاد السياسي مناقض لتقسيم العمل – يمثل نتيجة الفكرة Synthesis والتي يجدها في العقل الإنساني معاكسة للتحليل. لقد فرق التقسيم اقتسام العمل المختلفة وترك كل قسم أن يكرس ذاته للتخصيص الذي يناسبه أكثر من غيره، فالمصنع يجمع العمال وفقا لعلاقة كل جزء بالكل … إنه يدخل مبدأ السلطة في العمل… ولكن ليس هذا كل ما في الأمر : فالآلة أو المصنع – بعد أن يحقر أو يؤخر العامل لأنه أوجد سيدا له (الآلة) – يكمل تحقيره إذ يجعله يهبط من درجة عامل مهني إلى درجة عامل بسيط … والفترة التي نمر بها الآن – فترة استعمال آلة – تمتاز بصفة خاصة هي العامل الذي يتقاضى أجرة. إن عامل الأجرة نتيجة لتقسيم العمل واللتبادل » (المجلد 1، صفحة 135، 136، 161).
ولنقدم ملاحظة بسيطة لبرودون. إن تفريق أقسام العمل المختلفة – تاركا كل قسم نوع اختصاصه الذي يناسبه – يعد تفرقة يضع لها برودون تاريخا يعود إلى بداية العالم – ويوجد هذا التفريق اليوم في الصناعة الحديثة في ظل نظام المنافسة.
يستمر برودون ليعطي « تسلسا مهما » ليظهر كيف أن المصنع قام من جراء تقسيم العمل وأن عامل الأجرة قام من جراء وجود المصنع.
1- إنه يفترض رجلا « لاحظ أنه إذا قسم الإنتاج إلى أقسام مختلفة وجعل عاملا يقوم بكل قسم على حدة » فإن قوى الانتاج تتضاعف.
2- هذا الرجل « وهو ماسك بخيط الفكرة يخبر نفسه أنه عندما يشكل جماعة دائمة من العمال يختارهم لهدف خاص يحصل على انتاج أحسن ».
3- يقدم هذا الرجل اقتراحا أو عرضا للرجال الآخرين ليجعلهم أن يعقلوا فكرته وخيط فكرته.
4- هذا الرجل، عند بدء الصناعة، يطبق شروط المساواة مع رفاقه الذين يصبحون بعدئذ عماله.
5- كل واحد يتحقق، بالواقع، أن هذه المساواة الأصلية يجب أن تختفي بسرعة وفقا لمركز السيد واعتمادا عامل الأجرة عليه.
هذا هو مثال طريقة التاريخ الوضعي.
ودعنا الآن نفحص – من الناحية التاريخية والاقتصادية – إن كان المصنع أو الآلة قد أدخلت مبدأ السلطة في المجتمع نتيجة لتقسيم العمل، فيما إذا عوضت للعامل من جهة بينما اخضعته للسلطة من جهة ثانية، وفيما إذا كانت الآلة عبارة عن إعادة تشكيل تقسيم العمل.
إن المجتمع كله يمثل المصنع بداخله وله أيضا تقسيم العمل. وإذا أخذ شخص تقسيم العمل في معمل ما حتى يطبقه على المجتمع كله، نجد أن المجتمع الذي ينظم جيدا لانتاج الثروة يجب أن يكون له رئيس، مستخدم واحد. ويوزع هذا الرئيس الواجبات على أعضاء الجماعة العديدين بناء على قاعدة ثابتة ولكن ليست هذه هي الحالة. بينما نجد داخل المصنع الحديث أن تقسيم العمل ينظم برداءة بواسطة المستخدم، نجد أن المجتمع الحديث لا يملك قاعدة أخرى ولا سلطة أخرى لأجل توزيع العمل إلا المنافسة الحرة.
كان تقسيم العمل في النظام البطريكي وفي نظام المذاهب وفي النظام الاقطاعي والنظام التضامني موجودا في المجتمع كله وفقا لقواعد ثابتة. هل هو المشروع الذي وضع هذه القواعد؟ كلا. لقد انبثقت في الأصل عن أحوال الانتاج المادي، وأصبحت قوانين بعد ذلك. ونجد بهذه الطريقة أن أشكال تقسيم العمل المختلفة أصبحت قواعد كثيرة للتنظيم الاجتماعي. وبما يتعلق بتقسيم العمل في المعمل فإن تطورة ونموه كان قليلا كما كان في المجتمع.
ونقدر أن نقول كقاعدة عامة أنه كلما قلت السلطة القائمة على تقسيم العمل داخل المجتمع كلما زاد نمو تقسيم العمل في المعمل، وكلما خضع العمال في المعمل لسلطة شخص واحد. وهكذا نجد السلطة في المعمل والسلطة في المجتمع – بالنسبة لتقسيم العمل – بنسبة معاكسة لبعضها.
والسؤال الذي يطرح الآن ! ما هو هذا المصنع الذي تجد فيه الأعمال متفرقة عن بعضها، وتجد عمل كل عامل مصغرا لعملية بسيطة، وتجد السلطة ورأس المال يجتمعان ليوج

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

من كلاسيكيات الفكر الأشتراكي(2)

كتبها علي الجواشي ، في 19 يناير 2009 الساعة: 19:28 م

 

بؤس الفلسفة  

كارل ماركس 
ميتافيزيك الاقتصاد السياسي
الطريقة
نحن الآن في ألمانيا ! وسنتكلم الآن عن الميتافيزيك بينما نتكلم عن الاقتصاد السياسي. وسنتابع في عملنا هذا دراسة تناقضات برودون. ولقد أجبرنا الآن أن نتكلم الانكليزية وأن نصبح انكليزا. وأصبح الموقف الآن متغيرا. إن برودون ينقلنا إلى بلادنا العزيزة ويجبرنا أن نصبح ألمانا مرة أخرى إن شئنا أو لم نشأ.
إن كان الانكليزي يحول الرجال إلى قبعات فإن الألماني يحول القبعات إلى أفكار. فالرجل الانكليزي هو ريكاردو – اقتصادي مشهور وصاحب بنك غني–، أما الألماني فهو هيجل – أستاذ فلسفة بسيط في جامعة برلين.
إن لويس الخامس عشر – آخر الملكيين المطلقين وممثل انحلال الملكية الفرنسية – كان قد ألحق ببطانته طبيبا كان الرجل الاقتصادي الأول في فرنسا. هذا الطبيب، هذا الاقتصادي، مثـّل انتصارا معينا للبورجوازية الفرنسية. إن الطبيب كويزني Quesnay خلق العلم من الاقتصاد السياسي، ولقد لخصه في كتابه المشهور « اللوائح الاقتصادية » Tableau Economique. وعلاوة عن الكتابات والانتقادات والتعليقات الألف التي وجدت على طاولته، فإننا لا نملك إلا واحدا كتبه الطبيب نفسه. إن هذا الكتاب الذي نملكه هو « تحليل اللوائح الاقتصادية » Analyses of the Economic Table.
يمثل برودون طبيب كويزني آخر. إنه كويزني الميتافيزيك في الاقتصاد السياسي.
والآن فإن الميتافيزيك – وفي الواقع كل الفلسفة – يمكن أن تختصر، بالنسبة لهيجل، بالطريقة أو الفكرة. فيجب علينا إذن أن نوضح طريقة برودون الغامضة ككتاب « اللوائح الاقتصادية »، ولهذا السبب نقوم بتقديم سبع أو ثماني ملاحظات، مهمة أو غير مهمة، وإذا لم يفرح « الطبيب » برودون بملاحظاتنا فما علينا أن نصبح Abbé Beaudeau بودو، لكي يعطي بنفسه « شرح الطريقة الاقتصادية الميتافيزكية ».
الملاحظة الأولى:
« إننا لا نقدم تاريخا بالنسبة لنظام الوقت بل بالنسبة لتتابع الأفكار، إن الأطوار الاقتصادية وهي تتجلى بمفاهيمها تكون بعض الأحيان معاصرة وبعض الأحيان معكوسة… والنظريات الاقتصادية لها نتائجها المنطقية ولها علاقتها العددية في الفهم: إن هذا النظام هو الذي نخدع أنفسنا به، إننا اكتشفناه » (المجلد 1، صفحة 146).
لقد أراد برودون أن يخيف الفرنسيين إذ يتكلم معهم بجمل وعبارات شبيهة بأسلوب هيجل. وهكذا علينا أن نبحث في رجلين: أولا مع برودون وثانيا مع هيجل. كيف يقدر برودون أن يميز نفسه عن باقي الاقتصاديين ؟ وأي دور يلعبه هيجل في الاقتصاد السياسي عند برودون ؟
يقول الاقتصاديون عن العلاقات البورجوازية في الإنتاج وفي تقسيم العمل وفي الرصيد وفي النقد الخ.. أنها ثابتة لا تتحرك وأنها لوائح أبدية. وبرودون – وهو واضع أمامه هذه اللوائح الأبدية – يريد أن يشرح لنا عملية التشكيل وأساس تكوين هذه اللوائح والمبادئ والقوانين والمثل والأفكار.
يشرح الاقتصاديون كيف يحدث الإنتاج في ظل هذه العلاقات ذاتها، ولكن ما لا يشرحه هو كيف تنتج العلاقات ذاتها يعني، أن الحركة التاريخية التي أوجدها برودون – آخذين هذه العلاقات كمبادئ وكلوائح وكأفكار مجردة – عليها أن تجعل هذه الأفكار أن تخضع لنظام، ونستطيع أن نجد هذه الأفكار في نهاية كل كتاب يكتب عن الاقتصاد السياسي. إن جوهر الاقتصاد هو حياة الرجل النشيط الحيوي، أما جوهر برودون هو نسخ العقائد التي يفسرها الاقتصاديون. ولكن في الوقت الذي نتوقف عن متابعة الحركة التاريخية لعلاقات الانتاج – إذ أن اللوائح ليست إلا التعبير النظري – وفي الوقت الذي نريد أن نرى في هذه اللوائح مجرد مثل وأفكار مستقلة عن العلاقات الاقتصادية، عندئذ نجبر أن نعيد أصل هذه الأفكار إلى الحركة الحقيقية المجردة الصافية. وكيف تسبب الحقيقة المجردة والأبدية نهوض هذه الأفكار ؟ وكيف تتابع الحقيقة وجودها حتى تنتجها (أي الأفكار) ؟
إذا كانت شجاعة برودون ظاهر في مادة هيجل عندئذ يجب أن نقول: إنها تميز نفسها من نفسها. وما يعني هذا ؟ الحقيقة « غير الشخصية »، إذ لا يكون لها خارج ذاتها قاعدة تعتمد عليها ولا يكون لها أي شيء ذاتها ولا يكون لها موضوع لكي تشكل ذاتها، إن هذه الحقيقة تكون مجبرة أن تقلب رأسا على عقب لكي تجد قاعدة لذاتها ولكي تجابه ذاتها ولكي تؤلف وتشكل ذاتها، أي إيجاد قاعدة أو فكرة Thesis، فكرة مناقضة Antithesis، ونتيجة الفكرة Synthesis.
إننا سنقدم القاعدة المقدمة لهؤلاء الذين لا يعرفون لغة هيجل: التأكيد Affirmation والنفي Negation ونفي النفي Negation of Negation وهذا تعنيه اللغة. إنها ليست عبرية لكنها لغة هذه الحقيقة الصافية، هذه اللغة المختلفة عن لغة الفرد.
من العجيب أن نجد كل شيء في التجريد النهائي – وإذا ليس عندنا تجريد ولا تحليل – يمثل ذاته كلائحة منطقية ؟ من العجيب – إذا تجردت عن كل المواد التي تشكل البيت وإذا تجردت عن شكل المواد المركب منها وعن الشكل الذي يميز ذلك البيت عن غيره فإنك تنتهي إلى لا شيء ما عدا البنيان – أمِنَ المدهش إذا لم تأخذ حدود هذا البنيان بعين الإعتبار أن لا يبقى عندك سوى الفراغ – أي أنك لو تأخذ بعين الاعتبار قياسات الفراغ، فلا تجد شيئا متروكا على الإطلاق إلا الكمية الصافية، أي اللائحة المنطقية ؟ فإذا جردنا هكذا من كل موضوع كل الحوادث المتناسقة، الحوادث الحية أو غير الحية الناس أو الأشياء – نحن على حق أن نقول أنه في التجريد الأخير – فإن المادة المتبقية الوحيدة هي اللوائح المنطقية. وهكذا فالميتافيزيقيون الذين – عندما وضعوا هذه التجريدات يظنون أنهم يقومون بتحليل، والذين – كلما جردوا أنفسهم عن الأشياء يظنون أنفسهم أنهم يقتربون من نقطة الأصل أي اختراق اللب – إن هؤلاء الميتافيزيقيين على حق عندما يقولون أن الاشياء هنا هي كالتطريز الذي تنقشه اللوائح المنطقية على قطعة ثوب. وهذا ما يميز الفيلسوف عن المسيحي. إن المسيحي – رغم المنطق يعتقد بمفهوم تجسد واحد للكلمة Logos. أما الفيلسوف لم ينته أبدا من التجسدات. لو كان كل شيء موجودا، ولو كان كل شيء يعيش على اليابسة وتحت المياه يمكن تصغيره بواسطة التجريد إلى لائحة منطقية – إذا غرق العالم الواقعي كله في عالم من التجريدات، أي في عالم اللوائح المنطقية، فمن يعجب هذا ؟
إن كل شيء موجود، إن كل ما يعيش على اليابسة وفي الماء يوجد ويحيا فقط بسبب نوع من الحركة. إذن فحركة التاريخ تنتج العلاقات الاجتماعية، والعلاقات الصناعية تعطينا علاقات صناعية الخ.
لو استطعنا أن نحول كل شيء بواسطة التجريد إلى لائحة منطقية، لكان من السهل على كل شخص أن يجرد كل صفة مميزة لحركات مختلفة. إن تحقق الحركة في حالتها التجريدية – يعني الحركة العادية الصافية، القاعدة المنطقية الصافية للحركة. وإذا كان أي شخص يقدر أن يجد في اللوائح المنطقية جوهر كل الأشياء لكان يقدر أن يتخيل بأنه وجد في القاعدة المنطقية للحركة – الطريقة أو الفكرة المطلقة – التي لا تشرح فقط كل الأشياء بل إنها تطبق حركة كل الأشياء.
لقد عبر هيجل عن هذه الفكرة المطلقة بهذه التعابير: « الفكرة هي المطلق، هي الوصية العالية وهي القوة الميتافيزيقية التي لا يقاومها شيء، إنها ميل السبب ليعرف ذاته مرة أخرى، لكي يتذكر ذاته في كل شيء » (هيجل، المنطق المجلد الثالث). إن كل الأشياء لدى تصغيرها للائحة منطقية، وكل حركة وكل عملية انتاج لدى تصغيرها لفكرة، ينتج عندئذ أن كل مجموعة من المنتوجات والانتاج، من الأشياء والحركة، يجب أن تصغر بشكل ميتافيزيقي مطبق. فما عمله هيجل للدين والقانون الخ. يحاول برودون أن يعمله للاقتصاد السياسي.
وهكذا ما هي هذه الفكرة المطلقة ؟ هي الفكرة المجردة للحركة ؟ وما هو تجريد الحركة ؟ هي الحركة في حالتها المجردة… وما هي الحركة في حالتها المجردة ؟ هي القاعدة المنطقية الصافية للحركة أو حركة الحقيقة الصافية. وما تحتوي الحقيقة الصافية ؟ إنها تعمل على إقامة قاعدة لذاتها وعلى مناقضة ذاتها، وعلى تشكيل ذاتها وعلى وضع ذاتها بقاعدة أو بفكرة Thesis، وخلق فكرة مناقضة Antithesis، وايجاد نتيجة Synthesis وتعمل أيضا على تثبيت ذاتها، وعلى نفي ذاتها وعلى نفي نفيها…
وكيف تعمل الحقيقة لتثبت ذاتها ولتضع قاعدة لذاتها في لائحة منطقية ؟ إنه عمل الحقيقة وعمل تابعيها.
ولكن عندما تبدأ الحقيقة في وضع قاعدة لذاتها Thesis، فإن هذه القاعدة أي هذه الفكرة تناقض ذاتها Antithesis فتقسم إلى فكرتين متناقضتين – الايجابي والنفي، نعم ولا. والصراع بين هذين العاملين المضادين المتضمن في التناقض يشكل حركة الديالكتيك. النعم تصبح لا، ولا تصبع نعم، نعم تصبح لا ونعم، ولا تصبح نعم ولا، فتتعادل المتناقضات وتتجانس وتشكل بعضها. وتداخل هاتين الفكرتين المتناقضتين يشكل فكرة جديدة هي نتيجة الاثنين Synthesis. إن هذه الفكرة تنقسم مرة أخرى لفكرتين متعاكستين فتعود وتتشابك في نتيجة واحدة. ومن هذا العمل تتولد مجموعة من الأفكار. وهذه المجموعة من الأفكار تتبع نفس حركة الديالكتيك كلائحة بسيطة.
ولهذه المجموعة مجموعة أخرى متناقضة. ومن هاتين المجموعتين من الأفكار تتولد مجموعة أفكار جديدة تكون نتيجة للجميع.
وكما تتولد المجموعة من حركة الديالكتيك للوائح البسيطة، هكذا تتولد المجموعات من حركة الديالكتيك من المجموعات، وتتولد الطريقة الكاملة من حركة الديالكتيك للمجموعات.
طبّق هذه الطريقة على لوئح الاقتصاد السياسي فتحصل على منطق وميتافيزيك الاقتصاد السياسي. وبشكل آخر تحصل على اللوائح الاقتصادية التي يعرفها كل واحد، لوائح مترجمة إلى لغة بسيطة معروفة تجعلها تبدو كأنها تتفتح من جديد وتبدو كحقيقة صافية، وهكذا تبدو هذه اللوائح أنها تخلق بعضها البعض وأنها تتصل ببعضها اتصالا وثيقا بواسطة حركة الديالكتيك. يجب على القارئ أن لا يتألم لهذا الميتافيزيك الذين يتضمن هذه اللوائح والمجموعات والمناهج المزعجة. إن برودون – رغم كل التعب الذي أصابه لكي يضع مقياسا لأعالي طريقية المتناقضات – لم يكن قادرا أن يرفع نفسه عن الدائرتين الأوليتين – أي عن دائرتي الفكرة أو القاعدة Thesis والفكرة المضادة Antithesis، وحتى هذه لم يقدر أن يتكلم عنها إلا مرتين، ولقد فشل في احداهما.
لم نشرح لحد الآن سوى ديالكتيك هيجل. وسنرى كيف نجح برودون في تخفيضه إلى النسب المحقرة. وهكذا بالنسبة لهيجل، كل ما حدث ولا يزال يحدث هو الشيء الذي يحدث في عقله. وهكذا فلسفة فلسفة التاريخ ليست إلا تاريخ الفلسفة، فلسفته الخاصة. وهكذا لا يوجد « تاريخ بالنسبة للنظام في الوقت » يوجد فقط « تتابع وتلاحق الأفكار في الفهم ». فهو يعتقد أنه يبني العالم بواسطة حركة بينما هو يعيد بناء الأفكار التي هي في عقول الجميع بواسطة الفكرة المطلقة بطريقة تنظيمية.

الملاحظة الثانية:
إن اللوائح الاقتصادية هي الاصطلاحات النظرية، أي الفكرة المجردة المتعلقة بالعلاقات الاجتماعية للانتاج… إن برودون – وهو يمسك الأشياء بيده رأسا على عقب كفيلسوف – لا يرى في العلاقات العادية إلا تجسيدا لهذه المبادئ ولهذه اللوائح التي كانت قائمة – وهكذا يخبرنا برودون الفيلسوف أن هذه اللوائح كانت نائمة في صدر « الحقيقة الانسانية غير

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

من كلاسيكيات الفكر الأشتراكي(1)

كتبها علي الجواشي ، في 19 يناير 2009 الساعة: 19:15 م

 

بؤس الفلسفة  

كارل ماركس

1/ اكتشاف علمي

تناقض معنى قيمة الانتفاع وقيمة التبادل
« إن مقدرة كل المنتوجات، المنتوجات الطبيعية أو الصناعية، التي لها علاقة والتي هي ذات نفع عام لوجود الإنسان تحدد بقيمة الانتفاع، ومقدرة هذه المنتوجات أن تتبادل مع بعضها تتحدد بقيمة التبادل… وكيف تصبح قيمة الانتفاع قيمة تبادل ؟ إن تكوين فكرة قيمة التبادل، لم تلق عناية كافية من الاقتصاديين فمن الضروري إذن أن ندرسها وبما أن عددا كبيرا من الأشياء التي احتاجها موجود في الطبيعة بكميات معتدلة أو بكميات قليلة جدا أو أنها غير موجودة إطلاقا، فأنا مجبر أن أعمل لإنتاج ما أحتاجه. وبما أنني لا أقدر على إنتاج أشياء كثيرة، فإنني أعرض على أناس غيري – أناس هم مساعدون لي في عوامل كثيرة ومتنوعة – أن يسلموني قسما من إنتاجهم وأسلمهم قسما من إنتاجي نتيجة للتبادل » برودون المجلد 1، الفصل 11.
يتعهد برودون أن يشرح لنا قبل كل شيء طبيعة القيمة الازدواجية أي « التمييز في القيمة » ويتعهد أن يشرح لنا عملية تحويل قيمة الانتفاع إلى قيمة تبادل، فمن المهم إذن أن نشارك برودون في هذا التحويل. وما سيكتسب الآن هو كيفية تكميل هذا العمل بالنسبة لمؤلفنا.
إن عددا كبيرا من المنتوجات لا توجد في الطبيعة، بل هي منتوجات الصناعة وإذا كانت حاجيات الإنسان تتطلب أكثر من إنتاج الطبيعة لذلك فهو مجبر أن ينتج بواسطة الصناعة. وما هي هذه الصناعة بنظر برودون ؟ وما هو أصلها ؟ إن شخصا واحدا يشعر أنه بحاجة أن يحصل على أشياء كثيرة « لا يقدر أن ينتج أو يحصل على هذه الأشياء الكثيرة ». ولكي نشبع حاجات كثيرة يعني افتراض أشياء كثيرة للإنتاج – ولا توجد منتوجات بدون إنتاج. ولا نتاج أشياء كثيرة يعني افتراض وجود أكثر من يد رجل واحد لتساعد على إنتاجها، لا بد أن يُفرض حالا إنتاج كامل قائم على تقسيم العمل، وهكذا فالحاجة كما يفترضها برودون تفترض التقسيم الكلي للعمل. ولدى افتراضك تقسيم العمل فإنك تحصل على التبادل. وكنتيجة تحصل على قيمة التبادل فالمرء يمكنه أن يكون قد افترض قيمة الانتفاع في البداية.
لكن برودون يفضل أن يدور حول الموضوع، والآن لنتبعه في كل دوراته التي ترجعه دوما إلى النقطة التي ابتدأ منها.
حتى أستطيع أن أتخلص من الحالة التي ينتج فيها كل شخص بمفرده لأصل إلى التبادل « على أن أدعو رفاقي ومساعديّ لأعمال متنوعة » هذا ما يقوله برودون فأنا إذن عندي مساعدين يقومون بأعمال مختلفة. ورغم كل هذا، فأنا وكل الآخرين، بالنسبة لافتراضات برودون، لا نكون قد كونّا إلا اشتراكية روبنسون كروزوإن وجود مساعدين غيري، ووجود الأعمال المتنوعة، ووجود تقسيم العمل والتبادل، يمكن الحصول عليها.
ولنستخلص ما قيل: أنا عندي بعض الحاجات التي تقوم على تقسيم العمل وعلى التبادل، وعندما اسبق وافترض هذه الحاجات يكون برودون قد سبق وافتراض التبادل، وهذا هو ما يهدف إليه « أن يلاحظ تكوين هذه الفكرة باعتناء أكثر مما اعتنى بها الاقتصاديون ».
كان يقدر برودون أن يحول ويقلب نظام الأشياء دون أن يبدل ويغير دقة نتائجه. فلكي نشرح قيمة التبادل يجب أن يكون عندما تبادل. ولنشرح التبادل يجب أن يكون عندنا تقسيم العمل، ولنشرح تقسيم العمل يجب أن يكون عندنا حاجات تجعل تقسيم العمل ضروريا. ولنشرح هذه الحاجات يجب أن نسبق ونفترضها، إننا لا ننكرها – وهذا التحليل يناقض القاعدة الأولى في مقدمة برودون والتي تقول « لكي نسبق ونفترض وجود الله يعني نكرانه » المقدمة صفحة 1.
فكيف يقدر برودون وهو يقر بتقسيم العمل وكأنه شيء معروف أن يشرح قيمته التبادلية، هذه القيمة التي هي مجهولة دائما بالنسبة له ؟
« إن رجل » يبتدئ « ويقترح على الرجال الآخرين أي مساعديه في أمور وأعمال أخرى » بأن يؤسسوا التبادل، أن يميزوا بين القيمة العادية وقيمة التبادل، ولدى قبول هذا التمييز المقترح نرى أن المساعدين الآخرين لم يتركوا لبرودون إلا أن يسجل الواقع وأن يؤكد ملاحظته في بحثه للاقتصاد السياسي « تكون فكرة القيمة ». ولكن عليه أن يشرح لنا « تكوين » اقتراحه ويخبرنا أخيرا كيف يقدر الفرد وحده (روبنسون كروزو) أن يقترح فجأة على مساعديه ورفاقه ما مر معنا وكيف قبل هؤلاء المساعدون الفكرة بدون أي احتجاج ؟
إن برودون لا يدخل في صلب هذه التفاصيل، ولكن ما يعمله هو أن يضع طابعا تاريخيا على واقع التبادل ليضعه بشكل حركة يقوم بها فريق ثالث لكي يتم تأسيس التبادل.
إن هذا نموذج عن « الطريقة التاريخية والوضعية » عند برودون الذي يعلم ويبشر باحتقار « الطرق التاريخية » عند ريكاردو وآدم سميث.
إن التبادل له تاريخ خاص به ولقد مر بأطوار مختلفة.
لقد مر وقت كالعصور الوسطى مثلا، عندما كان يتم التبادل نتيجة للزيادة التافهة التي كانت تطرأ لجهة الإنتاج على الاستهلاك.
وقد مر وقت أيضا عندما أصبح التبادل – كل المنتوجات وكل الوجود الصناعي – تحت تصرف التجارة أو كان الإنتاج تعتمد على التبادل. فكيف نقدر أن نفسر هده الخطوة الثانية للتبادل – القيمة الموجودة في السوق مرفوعة للقوة الثانية ؟
لقد أجاب برودون بسرعة على كل هذا: لنفترض أن رجلا « اقترح على رجال آخرين مساعديه في أعمال متنوعة » أن يرفعوا القيمة الكائنة في السوق إلى القوة الثانية.
وأخيرا أتى وقت نرى فيه كل شيء كان يحسبه المرء غريبا قد أصبح يخضع للتبادل وأصبح واسطة للنقل أو أصبح غريبا عليه. وهذا هو الوقت الذي كانت فيه كل الأشياء تخضع للانتقال من شخص لشخص ولكنها لا تخضع للتبادل وكانت تعطى ولا تباع. وكان يحصل عليها ولكن لا تشترى وهذه الأشياء كانت الفضيلة والمحبة والمعرفة والضمير الخ.. وكان الوقت عندما أصبح كل شيء يخضع للتجارة، أنه وقت الفوضى العامة ووقت التأخير، إنه الوقت عندما أصبح لكل شيء – أخلاقي أو مادي – قيمة تخضع لعوامل السوق. فأصبحت هذه المفاهيم الجميلة تخضع لتأثيرات السوق وتنال قيمتها في السوق.
فكيف نقدر أن نشرح هذه الفكرة الجديدة والأخيرة للتبادل – أي القيمة الخاضعة للسوق ومرفوعة للقوة الثالثة.
يجيب برودون بسرعة على هذا: لنفترض أن شخصا اقترح على أشخاص آخرين، إلى مساعديه في أعمال متنوعة، أن يجعلوا من المحبة والفضيلة الخ… قيمة سوق أي قيمة تخضع لتقلبات السوق وأن يرفعوا قيمة التبادل للقوة الثالثة أي القوة الأخيرة.
نحن نرى أن « طريقة برودون التاريخية والوصفية » تطبق على كل شيء وتجيب على كل شرح وتشرح كل شيء، فإذا كانت طريقه، علاوة على كل شيء، تستعمل لشرح « تكوين الفكرة الاقتصادية » تاريخيا فهي تقول أن الرجل الذي يقترح على رجال آخرين « مساعديه في أعمال متنوعة » أن يكملوا هذا التكوين، ولدى تكميله يحققون هدف العمل.
نحن علينا أن نقبل « تكوين » فكرة قيمة التبادل كعمل تام وكامل، ويبقى علينا الآن أن نعرض العلاقة بين قيمة التبادل وقيمة الانتفاع. ولنستمع لما يقوله برودون:
« لقد بحث الاقتصاديون جيدا المفهوم الازدواجي للقيمة، لكنهم لم يشيروا بدقة إلى طبيعة القيمة المتناقضة، ومن هنا يبتدئ نقدنا.. إن المقارنة بين قيمة الانتفاع وقيمة التبادل شيء بسيط، ولم ير الاقتصاديون بهذه المقابلة إلا عملية بسيطة: لكن نحن نظهر أن هذه البساطة تطوى في ثناياها عجيبة عميقة من واجبنا أن نتعمق ونخترقها… ولكي نضع الكلام بأشكال علمية نقول أن قيمة التبادل وقيمة الانتفاع هما في نسبة معاكسة الواحدة للأخرى ».
فإذا كنا قد تفهمنا فكرة برودون نجد أنه يحاول أن يظهر أربع نقاط:
1- أن قيمة الانتفاع وقيمة التبادل يشكلان « مقارنة عجيبة » إنهما تناقضان بعضهما.
2- أن قيمة الانتفاع وقيمة التبادل تتناقضان بنسبة معاكسة لبعضهما.
3- لم يذكر الاقتصاديون ولم يلاحظوا هذا التناقض بين قيمة الانتفاع وقيمة التبادل.
4-إن نقد برودون يبتدئ في نهايته.
ونحن سنبتدئ في النهاية، ولكي نبرر موقف الاقتصاديين من اتهامات برودون سنستمع لكلام اقتصاديين معروفين جيدا.
سيسموندي Sismondi: إن التناقض بين قيمة الانتفاع وقيمة التبادل هو الذي نقـّص قيمة كل شيء، (كتابه: دراسات). Etudes، Vol 2، P. 162. Brussels Edition
لوردردال Laurderdale: نرى نسبيا أن غنى الأفراد يزداد بزيادة قيمة السلع وتنخفض ثروة المجتمع وعندما تنقص نسبيا مجموعة الثروات الفردية، ولدى تخفيض وتنقيض قيمة السلعة يزداد الغنى « يكثر ». كتابه: دراسات عن أصل وطبيعة الثروة العامة. Recherches sur la nature et L origine de la richesse publique. Paris 1808 P. 33.
يعترف سيسموندي من جراء بحثه للتناقض بين قيمة التبادل وقيمة الانتفاع أن انخفاض الواردات يتناسب مع زيادة الإنتاج.
لقد أسس لودرال طريقته على التعاكس النسبي بين نوعي القيمة. وكان مبدؤه شعبيا زمن ريكاردو حتى أن ريكاردو نفسه استطاع أن يتكلم عن هذا المبدأ وكأنه شيء معروف. تزيد الثروة في التفريق بين القيمة والثروة وبتنقيص كمية السلع أي الأشياء الضرورية والمناسبة والممتعة لحياة البشر، ريكاردو في كتابه: مبادئ الاقتصاد السياسي. Recardo, Principes de l économie politique, Paris 1835 Vol
لقد رأينا الآن أن الاقتصاد قبل برودون يتكلمون عن التناقص بين قيمة التبادل وقيمة الانتفاع. ولننظر الآن كيف يشرح برودون هذا التناقض.
إن قيمة التبادل لمنتوج تنخفض عندما يزداد العرض وعندما يبقى الطلب كما كان، أي أنه كلما كان الإنتاج غزيرا بالنسبة للعرض كلما انخفضت قيمته التبادلية أي كلما انخفض سعره. والعكس بالعكس. وكلما قل العرض بالنسبة للطلب كلما ارتفعت قيمة التبادل أو المنتوج المعروض: أي كلما قل عرض المنتوجات بالنسبة للطلب كلما ارتفعت الأسعار. إن قيمة التبادل لإنتاج معين يعتمد على كثرته أو قلته ويكون دوما متعلقا بالنسبة للطلب. خذ منتوجا ليس كثيرا ولا قليلا واجعله فريدا من نوعه، تجد أن هذا المنتوج يكون أغزر وأكثر إذا لم يكن هناك طلب عليه. ومن الناحية الأخرى، خذ منتوجا ينتج بالملايين، فإنك ستعده نادرا وقليلا إذا لم يكن كافيا لإشباع الطلب أي إذا كان الطلب كثيرا عليه.
هذه كلها تعد حقائق ثابتة، ورغم هذا نعيدها حتى نسهل فهم أعاجيب وأسرار ألغاز برودون.
« وهكذا إذا تبعنا المبدأ حتى نتائجه الأخيرة فإننا سنصل إلى النتيجة المنطقية وهي، أن الأشياء التي لا يستغنى عن استعمالها والتي لا تحد كمياتها يمكن الحصول عليها بلا شيء، والأشياء ذات النفع القليل والتي تمتاز بندرتها وقلتها تكون ذات قيمة لا تعد ولا تحصى. ولكي تتغلب على الصعوبات نقول أن هذه الأقوال المتطرفة ليست واقعية: فمن جهة لا نجد إنتاجا بشريا يمكن أن يكون غير محدود الطاقة ومن جهة ثانية نجد أن أقل الأشياء ندرة يجب أن تكون نافعة لدرجة ما وإلا لكانت عديمة النفع. قيمة الانتفاع وقيمة التبادل مرتبطتان ببعضهم ». المجلد الأول صفحة 93
ماذا نفعل بالصعوبات التي تتعلق ببرودون ؟ لقد نسي كل ما يتعلق بالطلب وأن الشيء يكون نادرا أو عزيزا إذا كان مطلوبا. وعندما يترك فكرة الطلب يقول أن قيمة التبادل تعني الندرة أو القلة، ونراه يقول أن قيمة الانتفاع تعني الغزارة أو الكثرة. وفي الواقع عندما نقول أن الأشياء « التي منفعتها عدم وقليلة تمتاز بقيمة لا تحصى » نصرح أن قيمة التبادل تكون نادرة. « الندرة والقلة القصوى ينقصها لا شيء » تعني الندرة أو القلة. « القيمة التي لا تعد » هي أعلى من قيمة التبادل، وهي قيمة تبادل. وهو يعادل بين هاتين الحالتين. وهكذا نرى أن قيمة التبادل والندرة هي شروط واحدة متعادلة، وعندما نصل لهذه النتائج المتطرفة نجد برودون يحمل هذه التعابير إلى أقصاها ولكنه لا يحمل الحقائق إلى أقصاها، وهكذا يبرهن على بلاغته ولكنه لا يبرهن عن منطقه. إنه يكتشف من جديد اقتراحاته الأولى مجردة عن الواقع بينما يفكر أنه قد اكتشف نتائج جديدة. ونحن نشكره لأنه عني بقيمة التبادل ما عناه بالغزارة أو بالكثرة.
بعد أن رأينا قيمة التبادل والندرة متعادلتين في المعنى، وأن قيمة الانتفاع والغزارة متعادلين في المعنى، نجد أن برودون يدهش لأنه لا يجد أن قيمة الانتفاع تعادل الندرة وقيمة التبادل ولا يجد أن قيمة التبادل تعني الغزارة وقيمة الانتفاع، وإذ يرى أن هذه الأضداد يستحيل تطبيقها لذلك لا يجد مفرا إلا الالتجاء للألغاز. إن القيمة التي لا تحد موجودة بالنسبة له، وهذا لأن الشارين غير موجودين ولأنه لا يجد شارين طالما أنه لا يهتم ولا يأخذ الطلب بعين الاعتبار.
ونجد من جهة أخرى أن الغزارة في نظر برودون تبدو كأنها شيء داخلي. فهو ينسى أنه يوجد أناس ينتجونها ومن مصلحتهم ألا يهملوا الطلب، وإلا فكيف يستطيع برودون أن يقول أن الأشياء التي هي نافعة جدا يجب أن يكون لها سعر منخفض جدا أو أنها لا تكلف شيئا ؟ فعلى العكس، عليه أن يستنتج أن الغزارة أي أن إنتاج الأشياء النافعة جدا يجب أن ترتبط بأسعارها، ولذلك يجب رفع قيمتها التبادلية.
كان زارعو الكرمة الفرنسيون يطلبون قانونا يمنع غرس الكرمة الجديدة. وكان الهولنديون يطلبون أن يحرقوا التوابل الآسيوية ! إن هؤلاء كانوا يحاولون أن يقللوا الغزارة أي الكثرة حتى يرفعوا قيمة التبادل. وكان يعمل بهذا المبدأ طوال القرون الوسطى، هذا المبدأ الذي كان يحدد بواسطة القوانين عدد الشغيلة المياومة، الذين كان المعلم يشغلهم وكان يحدد عدد الآلات التي يمكن استعمالها (راجع اندرسون، تاريخ التجارة).
بعد أن مثلنا الغزارة بقيمة الانتفاع والندورة بقيمة التبادل – ولا شيء أسهل من البرهان على أن الغزارة والقلة هما نسبتان متعاكستان – نجد برودون يعني أن قيمة الانتفاع هي العرض وأن قيمة التبادل هي الطلب. ولكي يظهر وجه التعاكس بصورة أوضح فإنه يستعيض عنها بتعبير جديد، يستعمل « قيمة التقدير » Estimation Value عوضا من قيمة التبادل. لقد انتقلت المعركة الآن من موضعها وأصبح عندنا من جهة المنفعة (قيمة الانتفاع، والعرض) ومن جهة ثانية عندنا التقدير (قيمة التبادل والطلب).
ومن يقدر أن يصالح هاتين القوتين المتناقضتين ؟ وماذا نقدر أن نعمل ليتفقا ؟ وهل نقدر أن نجد فيهما ولو نقطة للمقابلة ؟
« بالتأكيد » يصرخ برودون « توجد طريقة واحدة وهي، (الإرادة الحرة) والسعر الذي نستخلصه من المعركة بين العرض والطلب، بين المنفعة والتقدير ليس إلا تعبيرا للعدالة الأبدية ».
ويتابع برودون ليكمل تعاكساته:
« بمقدرتي كتاجر أن أكون قاضيا لحاجاتي، قاضيا لاختار الشيء، قاضيا للسعر الذي أريد أن أدفعه ومن جهة ثانية، بمقدرتك كمنتج حر أن تكون سيد وسائل التنفيذ وكنتيجة تحصل على السلطة التي تساعدك على تخفيف مصاريفك » المجلد 1، صفحة 41.
وبما أن الطلب أو قيمة التبادل تعني التقدير نجد برودون يقول:
« من المبرهن أن حرية الإرادة عند الإنسان هي التي تخلق التناقض بين قيمة التبادل وقيمة الانتفاع. فكيف نقدر أن نقضي على هذا التناقض طالما أن الإرادة الحرة موجودة وكائنة ؟ وكيف نضحي بالأخيرة (أي الإرادة الحرة) دون أن نضحي بالإنسانية ». المجلد 1، صفحة 41.
وهكذا لا نجد منفذا. يوجد صراع بين قوتين لا تتعادلان صراع بين المنفعة والتقدير. بين الشاري الحر والمنتج الحر.
والآن لننظر إلى الأشياء بإمعان أكثر.
إن العرض لا يمثل المنفعة تماما، والطلب لا يمثل التقدير تماما، ألا يعرض الطالب أيضا منتوجا هو النقد وكعارض لا يمثل بالنسبة لبرودون، المنفعة أو قيمة الانتفاع !
ألا يطلب العارض منتوجا، ألا يطلب العلامة التي تمثل كل المنتوجات وهي النقود ؟ ألا يصبح عندئذ ممثل التقدير أي قيمة التقدير وقيمة التبادل ؟
إن الطلب هو بحد ذاته العرض، والعرض بحد ذاته الطلب، وهكذا فإن تعاكس نظرية برودون – عندما يقارن العرض بالمنفعة والطلب بالتقدير – ليس إلا فكرة مجردة ضارة.
إن ما يدعوه برودون « قيمة الانتفاع » يدعوه الاقتصاديون « قيمة التقدير » وهم على حق بهذه التسمية. ونحن الآن نعود إلى ما يقوله ستورش Storch في كتابه دراسة الاقتصاد السياسي صفحة 48 و49.
تكون الحاجات بالنسبة لستورش أشياء نشعر أننا نحتاجها، وتكون أشياء تنسب لها القيمة أي أنها ذات قيمة. وهناك كثير من الأشياء التي لها قيم لأنها تشبع حاجات يخلقها التقدير. وتقدير حاجاتنا يمكن أن يتبدل، إذن منفعة الأشياء التي تعبر عن النسبة بين الأشياء يمكن أن تتبدل. إن الحاجات الطبيعية تتغير باستمرار والواقع أن الأشياء التي يحتاجها الشعب والتي يعدها مهمة تتغير دوما.
إن النزاع هنا لا يقوم بين المنفعة والتقدير بل يقوم بين القيمة في السوق التي يطلبها العارض وبين القيمة في السوق التي يعرضها الطالب. فقيمة المنتوج التبادلية تكون كل مرة حاصل هذه المتناقضات.
وفي تحليلنا الأخير نقول أن الطلب والعرض يخلقان الإنتاج والاستهلاك – الإنتاج والاستهلاك المبنيين على التبادل الفردي.
إن المنتوج المعروض لا يكون نافعا بحد ذاته، فالمستهلك هوالذي يحدد منفعته. وحتى لو كانت منفعة المنتوج قائمة فليس من الضروري أن تتمثله المنفعة ولقد تبدلت هذه المنفعة خلال الإنتاج بتكاليف الإنتاج، فالمواد الأولية وأجور العمال وهذه كلها تؤلف قيم السوق. فالإنتاج إذن يمثل في نظر المنتج مجموع القيم التي ستعرض في السوق. وما يعرضه المنتج لا يكون شيئا نافعا بل يكون فوق كل شيء قيمة تفرض في السوق.
وفيما يتعلق بالطلب، يكون الطلب ذا تأثير في الأحوال التي تتم فيها وسائل التبادل. وتؤلف هذه الوسائل بحد ذاتها المنتوجات نفسها، وقيمة السوق.
وفيما يتعلق بالطلب والعرض، نجد من جهة منتوجا له تكاليف قيمة قيم السوق والحاجات لبيعه ومن جهة ثانية نجد الوسائل التي خلقت تكاليف قيم السوق، والرغبة في الشراء.
إن برودون يضع الشاري الحر أمام المنتج الحر، ويطبق عليهما أوصافا ميتافيزيقية. وهذا ما يجعله يقول: « من الواضح والمعروف أن الإرادة الحرة عند الإنسان هي التي تخلق التناقض بين قيمة الانتفاع وقيمة التبادل » المجلد 1، صفحة 41.
عندما ينتج المنتج في مجتمع قائم على تقسيم العمل وعلى التبادل (وهذا هو افتراض برودون) يجد نفسه مجبرا على البيع. إن برودون يجعل المنتج سيدا لوسائل الإنتاج، لكنه يوافق معنا أن وسائل الإنتاج هي منتوجات يحصل عليها من الخارج، وبالنسبة للإنتاج الحاضر لا يكون المنتج حرا في إنتاج الكمية التي يريدها. إن درجة تطور ونمو القوى الإنتاجية تجبره أن ينتج بالنسبة لمقياس معين.
والمستهلك لا يملك حرية أكثر من المنتج. وحكمه هذا يعتمد على وسائله وحاجاته – ووسائله وحاجاته تعتمد على مركزه الاجتماعي، ومركزه الاجتماعي يعتمد على التنظيم الاجتماعي الكامل. والواقع أن العامل الذي يشتري بطاطا والمرأة التي تشتري خيوطا يتبعان كلاهما حكمهما على الأشياء. لكن الاختلاف في مقدار حكمهما يتوقف على المراكز التي يشغلانها في العالم، وهذه المراكز هي نتاج التنظيم الاجتماعي.
هل أن كل الحاجات قائمة على التقدير أو على التنظيم العام للإنتاج ؟ إن الحاجات غالبا تقوم مباشرة نتيجة للإنتاج أو من حالة الأعمال القائمة على الإنتاج. فالتجارة العالمية تقوم تقريبا على الحاجات ولا تقوم على الاستهلاك الفردي بل على الإنتاج. ولنختار مثالا آخر، ألا تكون الحاجة للمحامين نتيجة لوجود القانون المدني الذي يعبر عن تطور الملكية أو تطور الإنتاج.
لم يكن هذا حلا كافيا لبرودون أن يقلل من العوامل المذكورة بالنسبة لعلاقة العرض والطلب. إنه يحمل الفكر المجرد إلى أبعد حدوده عندما يُذيب المنتجين بشكل منتج واحد، وعندما يذيب كل المستهلكين في مستهلك واحد، وعندما يتم صراعا بين هذه الشخصيات الوهمية. ففي العالم الواقعي تحدث الأشياء ولكن بشكل آخر. فالمنافسة بين العارضين والمنافسة بين الطالبين تشكل قسما ضروريا من الصراع بين الشارين والبائعين، وتكون قيمة السوق نتيجة لهذا الصراع.
وبعد أن يكون برودون قد خفف من قيمة المنافسة وتكاليف الإنتاج يقدم لنا قاعدته الفارغة عن العرض والطلب:
يقول « العرض والطلب هما أشكال احتفالية Ceremonial forms تعمل على وضع قيمة الانتفاع وقيمة التبادل وجها لوجه، وتحاول أن تصلح بينهما، إنهما – أي العرض والطلب – قطبا الكهرباء اللذان عندما يتصلان، يجب أن ينتجا المظهر الذي ندعوه التبادل ». المجلد 1 صفحة 49 و50.
ويقدر كل شخص أن يقول أن التبادل هو شكل احتفالي يعمل على تعريف وتقديم المستهلك الشيء المعد للاستهلاك. ويستطيع كل فرد أن يقول أيضا أن كل العلاقات الاقتصادية هي أشكال احتفالية تخدم مصلحة الاستهلاك، وليس العرض والطلب علاقات بين منتوج معطى أكثر مما هما تبادلات بين أفراد.
فماذا يتضمن، ديالكتيك برودون بعد هذا البحث ؟ إن هذا ديالكتيك يبحث في المقارنة بين قيمة الانتفاع وقيمة التبادل، والمقارنة بين العرض والطلب، والمقارنة بين المجرد والأفكار المتناقضة (مثل الندرة والغزارة أي القلة والكثرة) والمقارنة بين المنفعة والتقدير، والمقارنات بين مستهلك ومنتج وكلاهما فرسا الإرادة الحرة.
إلام كان يهدف برودون ؟
كان يظن أنه يعرف ويدخل عاملا هاما في أبحاثه وهو تكاليف الإنتاج ويعني بها نتيجة تناقض Synthesis قيمة الانتفاع وقيمة التبادل. وبنظره إن تكاليف الإنتاج تؤلف وتشكل القيمة الناتجة Synthetic أو القيمة المشكلة Constituted.
تطبيق قانون نسبية القيمة
أ – النقد
« كان الذهب والفضة أول السلع التي نالت قيمة مشكلة »
وهكذا فالذهب والفضة كانا أول التطبيقات « للقيمة المشلكة » هذا ما يقوله برودون، وبما أن برودون يشكل قيمة المنتوجات إذ يحددها بكمية العمل المقارن المتضمن بها، لذلك كان عليه أن يبرهن أن التغييرات في قيمة الذهب والفضة تفسر دوما بتغييرات في وقت العمل المأخوذ لإنتاجها لذلك لا يتكلم برودون عن الذهب والفضة كسلع بل كنقود.
إن منطقه الوحيد – إن كان عنده منطق – يقوم على الخلط بين مقدرة الذهب والفضة لاستعمالها كنقد لصالح ككل السلع التي تخضع لخصائص التقييم بوقت العمل. في الواقع نجد بساطة أكثر مما نجد خبثا في هذا القول.
إن سلعة نافعة – عندما توضع لها قيمة بالنسبة لوقت العمل الذي يحتاج لإنتاجها – تقبل دائما في التبادل، لكن برودون لا يقول هذا إلا عن الذهب والفضة إذ يتكلم عنهما بشروطه كما يرغب بها بالنسبة للتبادل. فالذهب والفضة هما قيمة وصلت حالة التشكيل: إنهما متضامنان في فكر برودون. إن الذهب والفضة رغم مقدرة كونهما سلعا ورغم أنهما تخضعان للتقييم كأية سلعة أخرى بالنسبة لوقت العمل، فإن لهما مقدرة كونهما الوسطاء العامين للتبادل، وأيضا مقدرة كونهما نقود، والآن يعتبر الذهب والفضة بتطبيق « القيمة المشكلة » بوقت العمل، إذ لا شيء أسهل من البرهان على أن كل السلع التي تشكل قيمتها بوقت العمل تخضع للتبادل، فهي تعد إذن.
إن برودون يتعرض لسؤال بسيط جدا. لماذا يمتاز الذهب والفضة بإعطائهم « القيمة المشكلة » ؟
« إن الواجب الذي جعل المواد الثمينة تمتاز بالاستعمال، وتستعمل كوسيط في التجارة، هذه الرسوم التي هي محض اتفاق وأن بمقدرة أية سلعة أخرى – ولو بدرجة أقل – أن تقوم بهذا الواجب، يذكر الاقتصاديون هذا ويقدمون أكثر من مثال واحد، فما هو السبب الذي يجعل العالم يفضل هذه المعادن كنقود ؟ وكيف يشرح الاختصاص لخواص النقود – هذا الاختصاص الذي ليس لها مثلها في الاقتصاد السياسي ؟ أ من الممكن أن نعيد بناء الحلقات التي مر بها النقد واجتازها، وأن نقتفي أثره لنصل إلى المبدأ الحقيقي ؟ » المجلد 1، صفحة 68، 69.
وبما أن برودون قد وضع السؤال بهذا الشكل نجد أنه يفترض مسبقا وجود النقد، كان يجب أن يسأل نفسه هذا السؤال وهو لماذا – في التبادلات كما هي موضوعة – من الضروري أن تخضع قيمة التبادل للتبادل الفردي أي بخلق عميل خاص للتبادل. ليس النقد شيئا بل هو عبارة عن علاقة اجتماعية. لماذا تكون علاقة إنتاج مثل أية علاقة تجارية كتقسيم العمل مثلا ؟ إذا كان برودون قد أخذ هذه العلاقة بعين الاعتبار كما رأى في النقد استثناء، ولما رأى به عاملا لا يتعلق بمجموعة حوادث أو أنها تحتاج لإعادة بنائها.
كان على برودون أن يتحقق من أن هذه العلاقة هي حلقة كاملة الاتصال مؤلفة من العلاقات الاقتصادية، وأن هذه العلاقة تقابل شكلا معينا من الإنتاج كمثل لا أكثر ولا أقل للتبادل الفردي. فماذا يفعل هو ؟ إنه يبدأ بتجريد النقد من الشكل الواقعي للإنتاج كمجموعة ومن ثم يجعل منه العضو الأول بمجموعة خيالية. بمجموعة يجب إعادة بنائها.
وعندما يكون من الضروري إيجاد عميل خاص للتبادل أي للنقد، يتبقى أن نشرح سبب إعطاء ميزة خاصة للذهب والفضة بينما لا نعطيها لأية سلعة أخرى. إن هذا السؤال يبقى ثانويا لأنه يفسر بسلسلة علاقات الإنتاج وبالنوع والكيفية الخاصة الموجودة في الذهب والفضة كمواد. وإذا كان هذا الذي جعل الاقتصاديين يخرجون عن حدود علمهم الخاص وينخرطون في الفيزياء والميكانيك والتاريخ الخ. (كما يوبخهم برودون) فإنهم يعملون ما أجبروا على عمله، لأن السؤال لم يكن بعد محسوبا ضمن حدود الاقتصاد السياسي.
يقول برودون « إن الذي لم يفهمه أي اقتصادي هو المنطق الاقتصادي الذي حدد – لصالح المعادن الثمينة – القيمة التي تتمتع بها هذه المعادن » المجلد 1، صفحة 69.
إن هذا السبب الذي لم يفهمه أحد – فهمه برودون وقدمه للأجيال القادمة.
« إن الشيء الذي لم يلاحظه أحد هو أنه من كل السلع – الذهب والفضة كانا أول سلع تحصل على قيمتها المشكلة. ففي الزمن البطريركي كان الذهب والفضة لا يزالان يخضعان للمقايضة وكانا يتبادلان بكميات من المعادن ولكن رغم هذا فقد أظهرا ميلا منظورا ليصبحا ذات مقدرة فعالة ونالا درجة مرموقة عن غيرهما فملكها الحكام رويدا رويدا وختموها بأختامهم، ووُلد النقد عندما قام الحاكم بهذا العمل، هذا النقد أي السلعة المفضلة التي رغم كل صدمات التجارة يحتفظ بقيمة نسبية محدودة ويجعل ذاته مقبولا في كل المدفوعات. تعود الصفة المميزة للذهب والفضة في الواقع – لنشكر خواصهم المعدنية لصعوبة إنتاجهما، وإلى تدخل سلطة الدولة، ولقد نالا الاستقرار والموافقة لاعتباريهما سلع ».
إذا قلنا أن الذهب والفضة كانا من بين السلع الأولين اللذين نالا قيمتها المشكلة فهذا يعني أن الذهب والفضة كانا من أول من حقق حالة النقد. وهذا هو وحي برودون الأكبر، وهذه هي الحقيقة التي لم يكتشفها أحد قبله.
إذا كان يعني برودون أن الذهب والفضة كانا من بين السلع التي عُرفت وقت إنتاجها، فإن هذا يعني غير ما أراد أن يقدمه لقرائه وإذا أردنا أن نمضي في هذه الأخطاء البطريركية علينا أن نخبر برودون أن الحديد كان أول معدن عرف لأنه كان من الأشياء الضرورية للإنتاج. ونحن نوفر عليه قوس آدم سميث الكلاسيكي.
ولكن، بعد كل هذا، كيف يقدر برودون أن يستمر في الكلام عن تشكيل القيمة، بينما لا تتشكل القيمة من ذاتها ؟ إنها تتشكل، لا بالوقت الذي يحتاج إنتاجها بذاتها، ولكن بالعلاقة للكوتا لكل منتوج آخر يمكن خلقه في نفس الوقت. وهكذا فتشكيل قيمة الذهب والفضة تفترض مسبقا تشكيلا كاملا لعدد من المنتجات الأخرى.
ليست السلعة إذن هي التي حققت في الذهب والفضة – حالة القيمة المشكلة – إنها القيمة المشكلة عند برودون التي حققت في الذهب والفضة حالة النقد.
والآن دعنا نفحص بإمعان هذه الأسباب الاقتصادية التي بالنسبة لبرودون – أكسبت الذهب والفضة حسنة إذ رُفعت لحالة النقد بسرعة أكبر من المنتجات الأخرى – لنشكر الذهب والفضة لإنهما مرَّا بطور تشكيل القيمة –.
إن هذه الأسباب الاقتصادية هي: الميل المتطور لتصبح « مفهوما مشكل » هي « تفضيل السوق » حتى في « الزمن البطريركي »، وأحوال أخرى تتعلق بالواقع الحقيقي – الذي يزيد الصعوبة، طالما أنها تزيد الحقائق بزيادة الحوادث التي يحاول برودون إدخالها ليشرح الواقع. لم يستنفذ برودون كل هذه الأسباب الاقتصادية. وهنا نورد أحد عوامل القوة التي تتمتع بها السلطة:
« ولد النقد من رغبة السلطة: يمتلك أصحاب السلطة الذهب والفضة ويضعون ختمهم عليه » المجلد 1، صفحة 69.
وهكذا فإن أهواء أصحاب السلطة هي بالنسبة لبرودون السبب الأول والأعلى في الاقتصاد السياسي.
الواقع، يجب على الشخص أن يكون قليل المعرفة بالتاريخ لكي يعرف أن السلطة هي التي كانت خاضعة في كل العصور للأحوال الاقتصادية، ولكنهم لم يضعوا قوانين لها. إن التشريع – إن كان سياسيا أو مدنيا – لا يكون أكثر من أن يعبر عنه في كلمات – إرادة العلاقات الاقتصادية.
أهو الحاكم الذي امتلك الذهب والفضة ليجعل منهما وسطاء عامين للتبادل بتثبيت ختمه عليها ؟ إذا لم يكن هؤلاء الوسطاء العامون للتبادل هم الذين امتلكوا الحاكم وأجبروه أن يضع ختمه عليها ليعطيها قيمة سياسية !
إن التأثير الذي كان ولا يزال يُعطى للنقود لا يعود لقيمته لكن لوزنه، هذا الاستقرار والسيطرة التي يتكلم عنها برودون تنطبق فقط على مقياس النقد، ويشير هذا المقياس إلى مقدار المادة المدنية الموجودة في قطعة النقد. يقول فولتير « إن القيمة الأصلية لقطعة فضة هي قطعة فضة، نصف باوند تزن 8 أونس ». إن الوزن والمقياس وحدهما يشكلان هذه القيمة الأصلية. فالسؤال: كم يستحق أونس من الفضة أو الذهب، ليبقى كما هو. إذا كان نوعٌ من الصوف من مستودعات « كولبير البطة » وسيط ماركة تجارية – صوف نقي – إن هذه الماركة لا تُخبرك عن قيمة هذا النوع من الصوف. ويجب فقط أم نعتبر السؤال: كم يُساوي الصوف ؟ « إن فيليب الأول ملك فرنسا » يقول برودون « يصدر شارلمان الذهبية ثلثاً بثلثين، مُتخيِّلاً أنه يحتكر صناعة النقد، وهطذا يقدر كل تاجر أن يعمل إذا احتكر منتوجاً ما. وماذا كان سبب تخفيض قيمة الصرف التي يقوم لأجلها فيليب الأول ومن تبعه ؟ كان عمله المنطق الصادر عن وجهة نظر الواقع التجاري، لكن كل علم اقتصادي غير منطقي يفترض أن – كما أن العرض والطلب ينظِّمان القيمة إمَّا بإنتاج قلةٍ مُصطنعةٍ أو باحتكار الأشياء المصنوعة – يزاد تقدير قيمة الأشياء، وهذا شيءٌ ينطبق على الذهب والفضة كما ينطبق على القمح والخمر والزيت والتبغ. لكن خِداع فيليب لم يشك به حالاً إلا عندما انخفضت القيمة الواقعية لنقده، وخسر هو نفسه ما طن أنه سيربحه من أتباعه. وقد حدث نفس الشيء نتيجة لكل محاولة مُشابهة » المجلد 1، صفحة 70 – 71.
لقد برهن عدة مرات أنه إذا أراد أمير أن يخفض من قيمة الصرف فإنه سيخسر. فما يربحه لدى أول إصدار يخسره كل مرة تعود إليه القطع النقدية الزائفة بشكل ضرائب الخ. لكن فيليب وأتباعه كانوا قادرين أن يحموا أنفسهم من هذه الخسارة لأنهم عندما وضعوا القطع النقدية للتداول، فإنهم كانوا يأمرون بجمع المال كما كانوا يفعلون سابقا.
وعلاوة على ذلك لو أستطاع فيليب الأول أن يكون منطقيا مثل برودون لما كان منطقيا ممتازا « من الوجهة التجارية » لم يبرهن لا برودون ولا فيليب الأول عن أية عبقرية تجارية عندما تصوروا إمكانية تغيير قيمة الذهب كإمكانية تغيير أية سلعة أخرى: وهذا فقط لأن سعرها محدد بالعلاقة بين العرض والطلب.
لو أمر الملك فيليب أن يصبح مكيال من الحنطة في المستقبل مكيالين من الحنطة. لكان في عمله هذا مخادعا، ولخدع كل الذين يحصلون على دخل، ولخدع الناس الذين كانوا يحصلون على مائة مكيال من الحنطة. ولكان سبب تخفيض مائة مكيال ينالها البعض إلى خمسين مكيال فقط. ولنفترض أن الملك كان مديونا بمائة مكيال حنطة فكان عليه أن يدفع خمسين فقط. لكن في التجارة نرى أن المائة لا تساوي أكثر من الخمسين، ففي تغييرنا للاسم لا نغير شيء. إن كمية الحنطة، معروضة أو مطلوبة، لا تزداد أو تنقص بتغيير الاسم فقط. وهكذا فالعلاقة بين

المزيد
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

نموذج للمثقف العربي الإشكالي بامتياز…

كتبها علي الجواشي ، في 11 يناير 2009 الساعة: 17:22 م

رحل عن 87 عاماً وشارك في

جنازته المرشد العام لـلإخوان

محمود أمين العالم المثقف الإشكالي

 واجه سلطة عبدالناصر وسلام السادات

 

  

القاهرة - سيد محمود     الحياة 

 غيّب الموت أمس المفكر المصري محمود أمين العالم عن 87 عاماً، إثر أزمة قلبية مفاجئة، وشيع جثمانه في مسجد مصطفى محمود في المهندسين، في جنازة شارك فيها جمع من المثقفين والسياسيين والحزبيين المصريين، ومنهم المرشد العام لـ«الإخوان المسلمين» مهدي عاكف. والراحل نموذج للمثقف العربي الإشكالي بامتياز، عاش تناقضات كان من الصعب حسمها ارتبطت بالموقف من السلطة وطريقة التعامل معها. ورغم نشأته الدينية والتحاقه المبكر بأحد الكتاتيب في حي الدرب الأحمر، عمد الى دراسة الفلسفة في جامعة القاهرة قبيل انخراطه في صفوف الحزب الشيوعي المصري. وعمل موظفاً في مكتبة الجامعة قبل أن ينضم الى هيئة التدريس التي فصل منها في الأزمة المعروفة «مذبحة» الجامعة العام 1954. ولمع اسمه انطلاقاً من المقالات التي كتبها مع صديقه عبدالعظيم أنيس تحت عنوان «في الثقافة المصرية»، وقد بدأها في جريدة «الوفد المصري» ووضعت لُبنات التصورات التي تبنتها الطلائع اليسارية العربية في شأن التفسير الواقعي للأدب، والتي رد عليها طه حسين في مقاله الشهير «يوناني فلا يقرأ». وبهذا المقال بدأت معركة نظرية في مجال الأدب كان لها تأثير في المستوى العربي بعامة، وفي تنمية الاتجاه الواقعي الجدلي في النقد الأدبي. ومع أن العالم كان من بين الشيوعيين المصريين الذين زج بهم النظام الناصري في السجون وانتقدوا خطوات الوحدة مع سورية العام 1958 لافتقادها الشروط الموضوعية، فإنه كان من بين المؤيدين لقرار حل الحزب الشيوعي المصري العام 1965، وهو القرار الذي قوبل بجملة من التفسيرات لدى الأجيال التالية التي اتهمت جيل العالم بـ «بيع القضية» والدخول في صفقة مع النظام انتهت الى تأسيس التنظيم الطليعي داخل الاتحاد الاشتراكي. وهي صفقة رأى البعض أن ثمنها تمثل في تولي رموز هذا الجيل مسؤوليات مهمة في أجهزته الإعلامية والثقافية. وفي هذا السياق تولى العالم رئاسة هيئة الكتاب ومؤسسة «أخبار اليوم» ورئاسة هيئة المسرح. وعلى رغم انتقاداته الحادة للناصرية، فإنه ظل ينظر الى عبدالناصر كزعيم وطني سعى الى ترسيخ الاستقلال الوطني وتبنى جملة من القرارات لمصلحة الطبقة العاملة. وبموت عبدالناصر، دخ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

غياب عملاق…

كتبها علي الجواشي ، في 11 يناير 2009 الساعة: 17:02 م

وفاة الكاتب المصري

 محمود أمين العالم

 

 مشاهدة الصورة بالحجم الكامل

القاهرة: توفي يوم السبت الكاتب الماركسي المصري محمود أمين العالم عن 87 عاما بعد أكثر من نصف قرن من المعارك السياسية والثقافية. ولد العالم بالقاهرة يوم 18 فبراير شباط عام 1922 وتخرج في قسم الفلسفة في كلية الاداب بجامعة فؤاد الاول (القاهرة الان) عام 1945 وحصل على الماجستير عام 1953 عن بحث عنوانه (فلسفة المصادفة الموضوعية في الفيزياء الحديثة ودلالتها الفلسفية) ونال به جائزة الشيخ مصطفى عبد الرازق وسجل بحثا للدكتوراه حول (الضرورة في العلوم الانسانية).

لكنه حرم من اعداد رسالة الدكتوراه بسبب فصله من الجامعة عام 1954 مع عدد من الاساتذة لاسباب سياسية. ثم التحق بمجلة روز اليوسف التي كتب فيها مقالات في النقد الادبي مستكملا ما بدأه مع رفيقه عبد العظيم أنيس حين ردا على مقال عميد الادب العربي طه حسين حول (مفهوم الادب). وبهذا المقال بدأت معركة في النقد الادبي تهدف الى الانتصار للاتجاه الواقعي.

وأصدر العالم وأنيس عام 1955 كتاب (في الثقافة المصرية) يردان فيه على عدد من نقاد الجيل السابق ومنهم عباس محمود العقاد وطه حسين الذي وصف الكتاب بأنه يوناني فلا يقرأ في حين اتهمهما العقاد في صحيفة (أخبار اليوم) بالشيوعية وقال أنا لا أناقشهما وانما أضبطهما. انهما شيوعيان.

وعمل العالم في مؤسسة دار التحرير التي أنشأتها ثورة 23 يوليو تموز 1952 في مصر ولكنه فصل من عمله بعد اعلان الوحدة بين مصر وسوريا عام 1958 لانه قال ان الوحدة لا تراعي الخصائص الموضوعية للمجتمع السوري.

واعتقل العالم مع الشيوعيين الذين اعتقلهم نظام الرئيس الاسبق جمال عبد الناصر في مطلع عام 1959 وتعرضوا لتعذيب راح ضحيته شيوعيون منهم شهدي عطية الشافعي ثم أفرج عنهم عام 1964.

وبعد الافراج حدث ما يعتبره البعض مصالحه مع النظام الناصري فعمل العالم في مجلة (المصور) الاسبوعية ثم أصبح رئيسا لمجلس ادارة الهيئة المصرية العامة للكتاب ثم رئيسا لمجلس ادارة مؤسسة المسرح والموسيقى والفنون الشعبية. ثم رئيسا لمجلس ادارة مؤسسة أخبار اليوم الصحفية. وبعد موت عبد الناصر عام 1970 واختيار أنور السادات رئيسا للبلاد بدأ صدام مع السلطة الجديدة فاعتقل مع من وصفهم السادات بمراكز القوى. ووجهت له ولاخرين تهمة الخيانة العظمى وبعد الافراج عنه سافر الى بريطانيا للعمل باحدى الكليات ثم اتصل به صديقه المفكر الفرنسي جاك بيرك (1910 - 1995) واقترح عليه التوجه الى باريس فذهب ليعمل في جامعة باريس مدرسا لمادة الفكر العربي منذ عام 1973 حتى عام 1984. وخلال تلك الفترة أنشأ مع بعض المصريين مجلة شهرية هي (اليسار العربي) التي كانت تدافع عن قضايا الوحدة العربية والديمقراطية والتحرر السياسي والاقتصادي. وشارك العالم في الجبهة الوطنية المصرية المناهضة لسياسة السادات عندما بدأ مشروعه للصلح مع اسرائيل. وحكمت محكمة (العيب) على العالم غيابيا بحرمانه من حقوقه المدنية والسياسية ولم يرفع عنه الحظر المدني والقانوني الا بعد الغاء قانون العيب بعد سنوات. وتفرغ العالم بعد عودته الى مصر لاصدار كتاب غير دوري عنوانه ( قضايا فكرية) كما اختير مقررا للجنة الفلسفة في المجلس الاعلى للثقافة. وحصل العالم على جائزة الدولة التقديرية من مصر عام 1998 كما منحته مؤسسة ابن رشد في برلين جائزتها عام 2001.

وللعالم أكثر من 20 كتابا صدر أولها عام 1955 بعنوان (ألوان من القصة المصرية) بمقدمة لطه حسين و(الثقافة والثورة) و(تأملات في عالم نجيب مجفوظ) و(فلسفة المصادفة) و(هربرت ماركيوز أو فلسفة الطريق المسدود) و(الوجه والقناع في المسرح العربي المعاصر) و(البحث عن أوروبا)و(ثلاثية الرفض والهزيمة.. دراسة نقدية لثلاث روايات لصنع الله ابراهيم)و(الوعي والوعي الزائف في الفكر العربي المعاصر) و( الماركسيون العرب والوحدة العربية) و(الفكر العربي بين الخصوصية والكونية)و(مواقف نقدية من التراث)اضافة الى ديوان شعر واحد صدر عام 1970 بعنوان (أغنية الانسان) (رويترز) 

وننشر في هذه المناسبة مقتطفا من كلمته التي القاها بمناسبة منحه جائزة ابن رشد للفكر الحر 2001 / بيت الآداب - برلين 8/12/2001:

… في مؤتمر دولي حول صراع الحضارات أو حوار الثقافات عقدته منظمة تضامن الشعوب الأفريقية والأسيوية في القاهرة في مارس عام 1997 ، اجتهدتُ في تحديد دلالة بعض المصطلحات ومن بينها مصطلح الثقافة والحضارة. كما طورتُ هذا الاجتهاد في افتتاحية الكتاب الدوري قضايا فكرية الصادر في أكتوبر 1999 والمكرّس للفكر العربي بين العولمة والحداثة وما بعد الحداثة.

ففي هذه الافتتاحية ذكرت أنني أتعامل مع مصطلح الثقافة بدلالتها الأنثروبولوجية العامة في جوانبها الرمزية والمادية والعملية أي من حيث أنها الرؤية النعرفية والوجدانية والروحية والعملية والعلمية للواقع الاجتماعي والاقتصادي والإنساني عامة التي تتجلى في أشكال السلطة ونمط الانتاج والسلوك السياسي والقمعي والابداعي في ارتباط محلى محدد. وبهذا المعنى فالثقافة تختلف باختلاف التشكيلات الاجتماعية والاقتصادية من مجتمع إلى آخر، بل تختلف وتتنوع كذلك داخل المجتمع الواحد باختلاف وتنوع المواقع والمواقف الساسية والاجتماعية والفكرية، كما تتطور زتنمو بتطور الاوضاع والتشكيلات القومية المختلفة. نتبين هذا في أرقى المجتمعات وأدناها في سلّم التطور التاريخي الاجتماعي العام. على أن الثقافة - كما ذكرتُ بشكل عام - تجمع كذلك بين ما هو قومي خاص بها، وبين ما هو إنساني مشترك بين مختلف الخبرات الإنسانية. وهو مشترك ثقافي نابع من الاحتياجات الاساسية العضوية والاجتماعية والموضوعية الإنسانية، ومن التفاعل النتصل بين الثقافات المجتمعية والقومية المختلفة دون أن ينفي هذا خصوصية الثقافة في كل مجتمع من المجتمعات. أما مصطلح الحضارة فقد ذكرتُ انني أتعامل معه دون تمييز دلالي جوهري بينه وبين مصطلح الثقافة بمفهومها الأنثروبولوجي. ولكنني لم أقف عند هذا المفهوم المترادف بينهما، ذلك أني أرى ومازلت أرى أن هناك تمايزاً بينهما. وأن الفارق بينهما يكمن في أن الحضارة هي ثقافة تطورت تطوراً ذاتياً مما دفعها ويدفعها غلى تجاوز حدودها المجتمعية المحلية الخاصة وإلى التوسع والامتداد، فارضة نفسها على مجتمعات وأقاليم وتشكيلات اقتصادية واجتماعية وثقافية أخرى في عصر ما، أو مرحلة تاريخية معينة. إنها نقلة متطورة من الخاص إلى العام مهما كانت حدود هذه النقلة. أي أن الحضارة في تقديري هي خصوصية ثقافية معمّمة سائدة خارج حدود نشأتها المحلية الأولى. فهكذا تشكّلت الحضارة المصرية القديمة والصينية والفارسية واليونانية والرومانية والعربية الإسلامية وغيرها من ثقافات معمّمة، تطورت ذاتيا ثم توسّعت خارج منبعها الأصلي وأخذت تسيطر على مناطق ثقافية أو حضارية اخرى. وأضفتُ إضافة رأيتها مهمة هي أنه عندما تنهار ثقافة من الثقافات أو حضارة (بمعنى الثقافة المعمّمة) نتيجة لسيادة أو سيطرة حضارة أخرى أكثر قوة وتطوراً، فإن خصوصيتها الثقافية تظل حية- 

بمستوى أو بآخر - داخل الثقافة أو الحضارة السائدة الجديدة. ولهذا نجد داخل الحضارة الواحدة في أغلب التجارب التاريخية الحضارية أكثر من ثقافة ثانوية هي امتداد لثقافات أو حضارات سابقة، كما نشهد داخل هذه الحضارة الواحدة اختلافات وصراعات وتفاعلات بين هذه الثقافات الثانوية والثقافة السائدة. ففي أوج الحضارة العربية الإسلامية - على سبيل المثال - في القرن الثاني والثالث والرابع الهجري، احتوت الحضارة العربية الاسلامية في امتدادها شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً عديدا من الثقافات الأخرى مثل البيزنطية والفارسية والهندية والمصرية إلى غير ذلك. ولعلّ الاختلافات الثقافية المذهبية الدينية والفكرية والأدبية والسلوكية داخل هذه الحضارة آنذاك كانت ترجع إلى هذا الاختلاف والتنوع الثقافي والمعرفي والاجتماعي داخلها في إطار سيادتها الثقافية العامة. بل لعل هذا الاختلاف والتنوع أن يفسر لنا ظاهرة الشعوبية وغيرها من ظواهر الخلاف والاختلاف والصراعات والحوارات داخل هذه الحضارة أنذاك، ومايزال داخل البلاد العربية والاسلامية حتى اليوم.

والنتيجة التي انتهيت أليها ومازلت أتبناها هي أن في عصرنا الراهن حضارة واحدة سائدة، في داخلها ثقافات متعددة مختلفة. وهي حضارة معبرة عن نمط الانتاج الرأسمالي الذي تخلّق في رحم الأنساق الاقطاعية في أوروبا في القرن السادس عشر ثم أخذ يتوسع ويتنامى داخلها، مُطوراً ومبدعاً أشكالاً جديدة من العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والتشكيلات القومية، فضلا عن المنجزات العلمية والتكنولوجية والمفاهيم الفكرية والقيم الثقافية والأخلاقية والجمالية، كما أخذ يتوسع ويتنامى خارج أوروبا مستخدما مختلف وسائل التدخل والغزو والسيطرة العسكرية والتجارية والثقافية. وأصبح هذا النمط الرأسمالي يمتد اليوم في كل أرجاء الأرض بمستويات مختلفة ومتفاوتة من مجتمع إلى آخر، بين من أسهموا ويسهمون في انتاج هذا النمط وإعادة انتاجه وتطويره والامتداد به وتعميمه باستمرار وبين من يسهمون إسهاما هامشيا في هذا الإنتاج وبين م

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

طرق منحرفة إلى قصيدة النثر (1ـ2)…

كتبها علي الجواشي ، في 26 نوفمبر 2008 الساعة: 11:25 ص

 

 

 الموجة الثانية وجماعة الشعراء النقاد

أمجد ناصر

قراءتي أدبيات ‘قصيدة النثر’ ، سواء في لحظة ‘ الريادة’ أم تلك التي تلتها، لم تصنع انقلاباً، بين عشية وضحاها، في قصيدتي. احتاج الأمر وقتاً، ليس طويلا.. على أي حال.
هناك حادثة دالة، أستطيع اعتبارها بداية لتململي من ‘ قصيدة الوزن’. كنت في مطلع عام 1979 أنزل ضيفاً على الشاعر السوري الصديق عادل محمود في دمشق فقرأ لي، على عادة الشعراء، تلك الأيام، بعضا من قصائده، وعندما فرغ من القراءة سألني رأيي في ما سمعت.
كنت ،آنذاك، ما أزال جلفاً لم تهذبني المدينة ولم تبرِ الأيام نتوءاتي الحادة، فقلت له من دون أن يرّف لي جفن: وهل تعتبر هذا شعراً؟
كان عادل محمود أكثر لياقة مني، خصوصاً وأنا ضيفه، فلم لم يوجه إلي لكمة من قبضته القوية.. فقال إنه، بالتأكيد، يعتبر ذلك شعراً. احتجاجي لم يكن منصباً فقط على غياب الوزن في القصائد، بل، أيضا، على النثرية العادية التي تتحلّى بها، فقلت له، بتحدٍ صبيانيّ، أعطني قلماً وورقة لأكتب أمامك مثل هذه القصائد. الغريب في الأمر أن عادل أعطاني، فعلاً، قلماً وأوراقاً، ورحت على طاولة المطبخ التي كنا نجلس إليها أكتب شيئا من وحي المكان نفسه. كان ذلك قريبا جدا من شكل وعالم قصائده التي لا أتذكر، الآن، عما كانت تدور، ولكني أتذكر انني كتبت شيئا يشبه التالي:
ها نحن نجلس على طاولة المطبخ يا عادل محمود.
ندخن ونحتسي شيئاً،
الستائر تهتز رغم ان الرياح
المواتية لم تأت بعد.
الأغرب من ذلك أن عادل محمود لم يعتبر ما كتبته سيئاً، فقد قبضت، بتصوره، على تفاصيل اللحظة الهاربة التي نعيشها. النقاش الذي دار بيننا في الأيام الثلاثة التي بت فيها ببيته بدمشق كان يصدر من جهتين متقابلتين: فقد كان يعتبر أن ما أكتبه من قصائد موزونة هو شعر، ولكنه مقيد، بينما لم أعتبر قصائده شعرا بسبب نثريتها العادية وعريها البلاغي والايقاعي. لم أكن بعيداً عن اليومي والتفصيلي في قصائدي التي تنخرط، باجتهاد، في مدرسة سعدي يوسف، ولكنها لم تكن عارية من الجهاز البلاغي والمجازي والايقاعي الذي يصنع فارقاً، ينبغي الحفاظ عليه، بين الشعر والنثر. الأمر لا يتعلق باليومي. فلو كان كذلك، لما استهجنته، خصوصاً، وأنني أكتبه. لا بد أن الأمر يتعلق، إذن، بشيء آخر، أقصى هذه القصائد من الفردوس الشعري الذي أعرفه. هل هو الوزن؟ هو على الأغلب كذلك، فالقصيدة، تجري على اللسان بسيولة وايقاع منتظم مثلما يمكن تصورهما في الذاكرة. القصيدة، بهذا المعنى، تكتب، تقريبا، مسبقا. جهازها الايقاعي شبه جاهز وليس عليك سوى أن تصب فيه الألفاظ والصور. فلما سمعت قصائد عادل محمود كانت أذني هي التي تستقبل، فتقبل، أو ترفض. وفي هذه الحالة كانت ترفض، لأن ما وقع عليها لم يكن له مرجع منهجي في أرشيفها . كانت الأذن تفرز، تلقائيا، ما هو شعري وما هو غير شعري. الشعري يقع في المطابقة وغير الشعري يقع في المنافرة. وما سمعته كان نافرا.
استطرد، هنا، باستخدام تلك الخبرة مع قصائد عادل محمود لا بوصفها نموذجاً ناجحاً أو فاشلا، في قصيدة النثر، ولكن بوصفها خروج القصيدة، على نحو تام، من الوزن. من الانتظام الايقاعي الذي تستطيع تتبع دفقه ذا الوحدات الموسيقية المتشابهة المتواصلة أو أن تقف على عثراته ونشازاته.
اليومي عنده، لم يكن يشبه اليومي عندي، فهو مسترخ، منسرح، لا يتورع عن استخدام معجم النثر نفسه وأدواته اللتين نصادفهما في مقالة. كانت فكرة استخدام أسماء الاشارة وأحرف العطف وأدوات التشبيه والربط والظروف مزعجة بالنسبة لي. الشعر الجيد، في نظري، آنذاك، هو الذي يتمكن من تفادي تلك الروابط والاتكاءات التي تصل الكلام بعضه ببعض أو تفضي الى شيء من الشرح والوصف. إنه النثر وحده الذي تكثر فيه تلك الروابط وتتخلله فتحيله إلى كلام، أو ما يشبه الكلام، فيما الشعر تصفية للكلام من زوؤان النثر.
عرفت في تلك السفرة، التي كان عنوانها ممدوح عدوان وعلي الجندي اللذان جئت اليهما مسلحا برسالة توصية احتفائية من صديقهما حيدر حيدر في بيروت، اسماء شابة في المشهد الشعري السوري.
وباستثناء نزيه أبو عفش الذي كان يزاوج وقتها، بين قصيدة الوزن وقصيدة النثر ، فإن الشعراء الآخرين الذين التقيت معظمهم في مقهى اللاتيرنا الدمشقي، كانوا يكتبون قصيدة النثر: بندر عبد الحميد، رياض الصالح الحسين، حسان عزت، بشير البكر، ويبدو أن قصيدة النثر، ذات النفس الماغوطي البيّن، كانت اكثر انتشارا في سورية مما هي عليه في لبنان الذي كانت تنحو فيه هذه القصيدة، بالمجمل، في اتجاه اللغة والاستبطان والنأي، ما أمكن، عن المؤثرات الخارجية.
عرفت، وقتها، ان لقصيدة النثر في سورية أسلافاً مغمورين لم نسمع باسمائهم مثل: سليمان عواد، أورخان ميسر، وسليمان عامود ، لكن اسم الماغوط القادم اليهم، بتلك المسحة السحرية التي تضفيها بيروت، عادة، على من يقيم فيها، أو يمر بها مروراً، طغى عليهم. قرأت لاحقاً، بعض أعمال هؤلاء واكتشفت انها اصبحت dated ( متقادمة) حسب التعبير الانكليزي، فيما ظلت قصيدة الماغوط تحظى بتداولية وتأثير لم يقيضا للسابقين عليه في هذا الصدد، ما يعنى أن قصيدة الماغوط، نفسها، بما تضمنته من حرارة وصور وحشية وتماسك بنائي، كانت أساسا في تحولها نموذجا مبكرا لـ قصيدة النثر ، وليس فقط بسبب تعميده بيروتيا من قبل مجلة شعر.
ثمة، إذن، ما يتقادم، وينبو عن ذوق اللحظة الراهنة.
وثمة ما يبقى محتفظا بجاذبية للقراءة والتأثير.. بل والاقتفاء.
وذلك سر من أسرار الشعر العصية، أحيانا، على التفسير.
لاحظت، استطراداً، أن كثيراً من قصائد مجلة شعر، التي صار في امكاني الحصول على اعدادها في بيروت، طاله ذلك التقادم. بدا شعرا متصلبا، خشبيا، بلا نسغ، أو قدرة على تحريك شيء في النفس، فيه كثير من الانشاء والصنعة وقليل من الحياة. وهذا أمر طالما حيرني في الشعر. أقصد كيف تتمكن القصيدة من عبور ذوق لحظتها لتتجاوب مع قراءة وذوق قادمين بعد وقت طويل على كتابتها؟ وكيف تتمكن من الحفاظ على ذلك الشرط الذي نسميه: متعة القراءة؟ ناهيك عن التأثير.
لا أملك جوابا.
لن يعرف أحد فينا، نحن الذين نكتب الشعر اليوم، ما الذي سيبقى من شعره، ما الذي سينجو من التقادم، وما الذي سيقرأ في حينه كأنه كُتبَ اليوم. ما الذي سيتمكن من تغذية تطلب قادم للشعر؟
لا بد أن تلك السفرة الى دمشق وما تخللها من نقاشات وصلت الليل بالنهار حول الشعر والتدخل السوري الطازج في لبنان، قد تركت أثرا عليَّ. ففي ذلك الوقت لم أكن قد عرفت، شخصياً، شعراء الموجة الثانية من قصيدة النثر اللبنانية، وإن كنت أقرأ بعضهم.
”’

يمكنني أن أستخلص من سفرتي إلى دمشق ولقاءاتي بالشعراء السوريين وتلك المعارضات لقصائد عادل محمود، أن فكرة كتابة قصيدة من دون وزن ليست عملا خارج الشعر، وأن استراقي النظر الى أعمال رواد قصيدة النثر وبعض الذين تلوهم في لبنان، لم يكن بلا ميل، أصيل، عندي لـالانشقاق.
أكثر من ذلك، كشفت لي تلك المعارضات لـ قصيدة النثر التي كتبتها أمام عادل محمود، عن الترابط بين قصيدة النثر والواقع.
بدا يتضح لي أن الواقع ليس، بالضرورة، كبيرا، شاملا صلبا، وإنما يمكنه أن يكون صغيراً، متناهياً، وركيكا، وان القصيدة قد لا تلُّم، بتحليق افتراضي مجنّح، بكل شيء، بل بوسعها أن تنكتب عن شيء معين، أو مطرح صغير لا تبارحه. لم يكن صعبا عليَّ تقبل فكرة أن القصيدة قد تتناول مطبخا وستارته التي تهتز، وربما، صحونه التي في المجلى، فقد كتبت من قبل قصائد فيها أرصفة ومقاه وكراسي قش وصحون من الحمص وسجائر وقمصان واشارات ضوئية، ولكن ذلك حدث في اطار جهاز بلاغي وايقاعي وصوري يفصل، بخط واضح، بين الشعر والنثر.
النثرية التي تستضيف الواقع، أو الحياة اليومية، المتناهية في الصغر أو في العادية و المجانية، هذه النثرية التي لا يشدها عصب كانت هي التي أقلقتني.
كانت القصيدة تبدأ عندي من دندنة ايقاعية، من لحن غامض، ثم يأخذ قوامها يكتسي، تدريجا، لحماً وعظماً وعصباً، فإذا ذهبت هذه الدندنة التي تنطلق، بالضرورة، من وزن معطى، متدارك، متقارب، رمل أيا يكن، فمن أين أبدأ؟ قد لا أكون فكرت بالأمر على هذا النحو الواضح لمفاتيح القصيدة عندي، ولكن، من المؤكد، انني شعرت، على نحو مُبهم، بذلك.
طبعاً، نحن عندما نكتب قصيدة، سواء كانت وزناً أو نثراً، لا نفكر كيف ومن أين تبدأ. ما زال في الشعر، حتى في أكثر حالاته نثرا، ذلك النبض الغامض، ذلك الصدى القادم من بعيد غير مُكّتَنَهٍ، تلك الاشارات التي تلوح لكل بني البشر ولا يعرفون مصدرها، والأسوأ، لا يحسنون استقبالها. ليس الشاعر، على هذا الصعيد، استثناء، لانه ليس نبياً ولا ساحراً ولا لاعب اكروبات.. انه مثل جميع السائرين في مناكبها، لكن ميزته هي في حيازته الأدوات التي بامكانها تحويل تلك الذبذبات الأرضية الطائشة إلى قوام ملموس يدعى القصيدة، والقوام الملموس كان يبدأ دائماً، من قالب ايقاعي معطى. من هناك تبدأ القصيدة، بصرف النظر

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي